يدخل التونسيون مراكز الاقتراع لاختيار ثالث رئيس تونسي بعد الثورة والثاني بعملية انتخابية، ولا شك أن القارئ الجيد والمتابع للأحداث يعرف أن الأمر يتعدى اختيار رئيس إلى اختيار بين مسار ثورة الياسمين وبين المجازفة برئيس لفئة معينة يحمل في برنامجه مصالح شخصية وراعي لمصالح قد تتعدى حدود تونس.

مثَّلت تونس النموذج الأنجح، بل الأوحد لمسار الربيع العربي الذي أرادته الشعوب، على الأقل فيما يخص اختيار الرئيس بأغلبية أصوات الشعب دون تزوير أو توريث كما هو الحال في معظم الانتخابات التي تشهدها الدول العربية، ونرى أنه حين انزلقت دول كسوريا، وليبيا، واليمن إلى دائرة العنف وصراع مسلح، وفي حين رأينا انقلابًا على إرادة الشعب المصري، نجد تونس تسير على طريق وضع الأسس لدولة المؤسسات وحكم القانون، وإن اختلفت الألوان السياسية فقد تلاقت الشعارات التي تنادي بترسيخ الحريات وحفظ أمن البلاد والتعهد بالعمل لصالح توفير حياة كريمة للمواطن التونسي ورعاية شؤونه وتلبية تطلعاته، في الحقيقة لا يمكن التصديق على وعود المرشحين؛ لأنه وطبقًا للدستور التونسي فإن صلاحيات الرئيس لا تخوله بتنفيذ مثل هذه الوعود ولا تضع في يده السُلطة التنفيذة بالشكل الذي سبق الثورة في عهد بن علي أو بورقيبة، وكما قلنا فالشعب اليوم سيختار بين اختيارين وإن كان عدد المرشحين كبيرًا.

وهنا نرى أن المنافسة ستنحصر بين شخص السيد المنصف الرزوقي المنادي بالحريات وصاحب الموقف الثابت اتجاه شعوب المنطقة العربية والراعي لمصالح تونس على أسس التنمية الحقيقية دون التنازل عن المبدأ وهو ما أوضحه في أحاديث كثيرة خلال فترة عرض البرنامج الانتخابي؛ مما يجعل من الصحة بمكان القول إنه مرشح عن الثورة، ومن جهة أخرى يحضر التيار الإسلامي والحامل لشعارات الإخوان وإن لم ينزل باسمهم وهو تيار سيلقي – بوجهة نظري – رفضًا دوليًا وإقليميًا، وسيحرك مياهًا راكدةً في الخليج العربي باعتبار أن جماعة الإخوان مثلت عدو الأنظمة الأول بأديولوجيتها، والتي تقدم رؤية مغايرة للحكم تقوم على ما يشبه الطوبيا التي تنادي بالعيش بالتساوي والعدل ونبذ الطبقية، وهو ما يرفضه ملوك الخليج ومن جهة يمثل الصوت المنادي للاستئثار بالموارد الضخمة للدولة وعدم أحقية غير أهلها فيها ناهيك عن رفضهم فكرة التعايش مع الحداثة الغربية والنمط الغربي في العيش وهو ما يرفضه الغرب، بالرغم أننا نرى أن فرصة هذا التيار ضعيفة خاصة في ظل الانقسام بين أشخاصه تمثلت بترشيح الشيخ عبد الفتاح مورو ورئيس الحكومة الأسبق د. سعد جبالي فإن فوزه الذي يبقى احتمالًا واردًا قد يُشكل سيناريو يؤدي بالثورة التونسية إلى حال ثورة يناير (كانون الثاني) في مصر، ويا ليت إسلاميي تونس عرفوا هذه الحقيقة فتنازلوا لمرشح عُرِفَ بمواقفه الموافقة لرؤيتهم غير أنه على درجة من الكفاءة والاقتدار والأهم هو قبوله لدى الغرب منهم أي من الإسلاميين، أما ثالثًا فنرى شخصًا يوصفه مقربون بمرشح ابن علي الرئيس المخلوع، وهنا الكلام عن عبير عيسي، وفي ذات التيار يحضر شخص د. عبدالكريم الزبيدي، والذي يمثل قوى الثورة المضادة والصوت الحنون الذي يصدع كغيره إلى جانب النظام المصري ودول الخليج، ففي حين قالها صراحة الرئيس السابق المنصف المرزوقي بأنه لن يضع يده بيد الأسد أو السيسي وأبرَزَ موقفًا واضحًا من التدخل الخليجي في ليبيا واليمن، وعلى ذات الخط يلتقي معه عبد الفتاح مورو، فان المرشحة عبير عيسى يبدو أنها قادمة لتثبيت نهج فكري معين يقوم على نمط الحبيب بورقيبة بإبعاد تونس عن محيطها العربي وسلخها عن هويتها الإسلامية، أما الزبيدي المرشح الأوفر حظًا عن هذا التيار قادم ليكون بيدقًا جديدًا في صف السعودية والإمارات، خاصة أن المنطقة تمر بأحداث ستبدو ملامحها أكثر وضوحًا مع نطق اسم الرئيس الجديد خاصة الملف الليبي، إضافة بأن المنطقة تنتظر أحداثًا تحتاج ربما ليس لتأييد تونس، فهي ليست الدولة الكبيرة أو الغنية، لكنها قد تتطلب صمت تونس مع أخواتها من الدول، وهنا الكلام عما يعرف بصفقة القرن، فأمريكا التي أجَّلت الإفصاح عن بنودها بسبب فشل نتنياهو بتشكيل حكومة قد تؤجلها إلى حين ذلك، وهو ما يتضح في ذات الفترة وهو ما يعني أن الرئاسة التونسية ستشكل حالة من الاختيار بين جميع هذه الحقائق.

رغم أن الانسان العربي قد ينظر بعين الغرابة ويسأل: هل من الممكن للتونسي اختيار من يقف ضد الثوابت وينساب مع تيار التطبيع؟

وأقول هنا بأن الشعب سينظر في عين المصلحة الاقتصادية وهو حق له ولا أخفي ثقتي بالشعب التونسي الشقيق الذي يعتبر الأكثر وعيًا من بين الشعوب العربية، ولكننا نحتاج للاعتراف بالتأثير على الناخب بوسائل معروفة، فالفقر يسمح ببيع الأصوات، والعاطفة تسمح للشعارات بالتاثير على الناخب، وأخيرًا فالرغبة بالوقوف مع أحد الأشخاص لشخصه أو فكره، ليس لاعتباره الأكفأ، هي حالة موجودة في الشارع العربي باختلاف المسميات كالعشائرة والطائفية والتوجه الفكري، وأقول للأسف الشديد، فنرى أن المرشحة عبير عيسي ترفع شعارات كرامة المرأة لاستغلال فرصة حالة العنف الأسري ضدها في المجتمع، أو نرى حالة من الانسياق خلف شعارات دينية خوفًا من التغيير الذي بدأ يتغيير قانون الميراث وأملًا في تثبيت صورة الإسلام المهزوزة اليوم في البلدان العربية عمومًا، وتونس خصوصًا، والتي وقعت تحت حكم العلمانية لسنوات طوال.

ورغم هذا فنحن نرى أن الفرصة متاحة أو لنقل إنه لا يوجد فرصة لشخص على حساب الآخر، ولا يمكن التنبؤ لأحد بالفوز، غير أن الأمل يحدونا لرؤية رئيس لتونس ترسيخًا للديموقراطية والتي لأجلها قامت الثورة، وثانيًا للخروج من دائرة الاستهلاك والحاجة ووصولًا لدولة الإنتاج والرفاه الاقتصادي، ثالثًا الوصول لدول المؤسسات والتعدية الفكرية مع التأكيد على الثوابت وعدم التفريط بالهوية والابتعاد عن المحيط العربي، أخيرًا تحقيق الأمل للشعوب العربية الأخرى وتقوية عزيمتها خاصة في الدول التي تسعى للوصول إلى مرحلة تونس من انتخابات واختيار حر، وتثبيت لهم ودعم مطالبهم في السودان والجزائر وصوت يدافع عن الشعوب التي يتم العدوان عليها وصوت عربي يصل إلى الأمم المتحدة يرفع قضايانا بتحيز لنا ولمطالبنا، والخوف كل الخوف من سيناريو خطف الثورة إذا ما تم، أدلى التونسي للشخص الخطأ فيصبح الحديث من زراعة الأمل إلى الكلام عن حصاد الخيبة. ربما تونس بجغرافيتها ومواردها لن تحقق للعرب الكثير، ولكن تونس ستكون هي البوابة التي ستفتح نحو الحرية المنشودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد