صدر مؤخرًا تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أحدثت بأمر رئاسي سنة 2017، حيث كلفت بإعداد الإصلاحات المرتبطة بالحريات والمساواة استنادًا لدستور 27 يناير (كانون الثاني) 2014 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وصدور التقرير العام كان ثمرة 33 اجتماعًا عقدته اللجنة في 235 صفحة نشرته على موقعها في 12 يونيو (حزيران) من السنة الجارية.

مشروع التقرير اعتبر ثوريًا في مقترحاته، حيث جاء في هذا الإطار النصّ على أبواب أساسية في حقوق الإنسان: الحق في الحياة والكرامة والحرمة الجسدية والأمان والحرية والفكر والمعتقد والضمير، علاوة على حرية الرأي والتعبير والحياة الخاصة وحماية المعطيات الشخصية إضافة إلى حماية المعطيات الشخصية وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات إضافة إلى حرية التنقل والإقامة والفنون والحريات الأكاديمية كما تضمن المشروع آليات حماية هذه الحريّات والحد من التأويل القانوني الكابح لحريات المواطن التونسي، ومن المكاسب التي تعتبر ثورية هو إلغاء عقوبتي الإعدام والمثلية الجنسيةّ،  وفي قسم المساواة قدمت توصيات أخرى للمساواة في قانون الأسرة وفي مجالي القانون الجنائي والقانون المدني.

من ناحية ثورية أخرى التي تضمنها التقرير  إلغاء التمييز في شرط إسناد الجنسية التونسية بموجب الولادة بتونس، وإلغاء التمييز في شروط اكتساب الجنسية التونسية بموجب الزواج مع التصريح بالنسبة للمرأة الأجنبية، مع إلغاء التمييز بين التونسي الذي يتزوج أجنبية والتونسية التي تتزوج أجنبيًا من حيث شروط الحصول على الإقامة والتأشيرة، ومن في باب الزواج إلغاء شرط المهر والعدة، أو عدم ربطه بالبناء لما فيه من اعتداء على كرامة المرأة والتخلي عنه باعتباره شرطًا من شروط صحة الزواج، كما تضمن ناحية تمكين الوالدين من إضافة اسم الأم للطفل، وفي مجال الميراث اقترحت اللجنة ضمان المساواة قانونًا بالنسبة للإناث مع إمكانية الاعتراض على المساواة أو الإبقاء على قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين، إلا إذا اختارت المرأة المساواة كما تضمن إلغاء رئاسة العائلة بالمفهوم الجبائي وتوزيعها بين الوالدين بالتساوي.

طبعًا المجال الحيوي للديمقراطية التونسية الحديثة أثثتّه في جانب منه تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة ما يبرز بجليّ حرية النقاش وثرائه الكبير،  وفي الحقيقة هي نتاج لمسار تاريخي كامل امتد منذ ضروب تونس في التاريخ، فتونس شهدت أول مظاهر المجتمعات الإنسانية المنظمة بالمنطقة،  كما عرفت ظهور دستور من أقدم الدساتير المكتوبة في عهد الدولة القرطاجية، ومحطات هامة في مسار تونس نذكر منها خاصة عهد الأمان 1857 ودستور سنة 1861 ومجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، وتأتي هذه المكاسب عبر تراكم تاريخي ساهم فيه المجتمع المدني بنضالية عالية.

 ومن المثير للاهتمام أيضًا أن لجنة الحريات الفردية والمساوة في صياغتها لمشروع القانون أخذت بتحولات الواقع الاجتماعي التونسي، مع فتح باب النقاش للهيئات الوطنية المستقلة والمجتمع المدني مع الإصغاء لعدد من الخبراء في مختلف الاختصاصات، ومن الجدية أيضًا ولضمان الشفافية نشرت اللجنة تقريرها على موقعها الرسمي للعموم بما يسمح للاطلاع على مضامينه ومناقشتها حتى يتم حمايته من محاولات التشويه والتحريف.

فلاقى التقرير ترحيبًا واسعًا من لدن المجتمع الداخلي والوطني، فهو يعتبر سبقًا تاريخيًا وحضاريًا في محيط تونس الإقليمي والعربي، حيث تجاوبت الطبقة السياسية والثقافية إما مساندة أو منتقدة وهو ما يبرز حيوية الديمقراطية التونسية وديناميكية مجتمعها.

ومن التأكيد أن هذه الحيوية العالية للجنة الحريات الفردية والمساواة تلقت ضروبًا من الحملات الرجعية المدفوعة إمّا بعدم فهم لمشروع القانون الذي سبقته حملة شعواء من التشويه والكذب كما قامت حملة استهدفت اللجنة ورئيستها بشرى بالحاج حميدة لتصل إلى حدود التكفير. وقد اعتمد هجوم المعارضين للتقرير على تشويه الحقائق والمغالطات واستحضار تعلّة «تهديد الإسلام» في استنساخ شبه كامل لموجة التكفير التّي عمّت البلاد بين 2011 و2013.

وفي الختام إن هذا مشروع القانون للجنة الحريات الفردية والمساواة يمثل في الحقيقة مكسبًا جديدًا للعائلة التونسية، فهو يعزز تكاتفها واستقلاليتها  ويجردها من التبعية، كما يضمن الحقوق ويكرسها للمرأة والطفل في مسار شامل للقطع مع العقلية الذكورية السائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موقع لجنة الحريات الفردية و المساواة
عرض التعليقات
تحميل المزيد