أكتب لكم هذا المقال اليوم وتونس تعرف أحدث وربما أعسر أزماتها السياسية التي مرت بها منذ سنة 2011، وذلك إثر رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد مثول الوزراء الجدد المعينين من قبل رئيس الحكومة أمامه لتأدية القسم بعد تزكيتهم من قبل البرلمان. هذا التعنت من قبل سعيد ترك البلاد إزاء مشهد ضبابي من المؤكد أنه ستكون له تبعاته الوخيمة سواء على الوضع الاقتصادي – المالي المتدهور أو حتى على التجربة الديمقراطية ككل.

فصول الأزمة الحالية بدأت حين قرر رئيس الحكومة هشام المشيشي القيام بتعديل وزاري أقصى الوزراء المحسوبين على قصر قرطاج أو بمعنى أوضح أولئك الذين تم فرضهم من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد عند تكليفه للمشيشي بتشكيل الحكومة في شهر أغسطس الماضي. لكن ولأنه كانت هذه هي الأسباب المباشرة للأزمة، إلا أن جذورها تمتد لأكثر من عام وبالتحديد حين بدأت تلوح في الأفق إشارات على وجود خلافات عميقة بين الرئيس قيس سعيد من جهة وحركة النهضة صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان من جهة أخرى، وهو الخلاف الذي لم يعرف طريقه إلى التهدئة إلى حد الآن.

بين من يتهم رئيس الجمهورية بالرغبة في العودة إلى النظام الرئاسوي والتفرد بحكم البلاد، وبين من يعتبر أن حركة النهضة لا تقبل إلا برئيس خانع لها وضمن بيت طاعتها، عادت إلى الواجهة من جديد التساؤلات حول مآل استمرار نظام الحكم بشكله الحالي الذي أرساه دستور 2014 وهو النظام الذي قسم صلاحيات السلطة التنفيذية بين رئيس الحكومة والجمهورية بشكل شبه متساو وذلك تلافيًا لعودة الحكم الفردي الذي عانت منه البلاد لأكثر من نصف قرن، طبعًا هذا كما يحاجج كتابه والمدافعين عنه.

الأزمة الحالية بين قيس سعيد وهشام المشيشي ليست الأولى من نوعها، بل هي تتكرر للمرة الرابعة أو الخامسة منذ سنة 2012 عندما شهدت البلاد أول خلاف بين رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي حيث كانت تونس أنذاك تحكم بقانون مؤقت منظم للسلطات تتشابه فصوله مع الدستور الذي أرسي فيما بعد، والذي لم ينجح للأسف في إرساء آليات تجنب الوقوع من جديد في نفس المطب. تحت حكم الرئيس السابق الباجي قايد السبسي، كان للرجل خلافه الأول مع الحبيب الصيد الذي تسربت من الكواليس أخبار تفيد بدفعه قسرا نحو الإستقالة من قبل مستشاري الرئيس في صيف العام 2016، ومن ثم كان خلاف السبسي الثاني مع يوسف الشاهد في عام حكمه الأخير حين قرر الشاهد الانشقاق عن حزب نداء تونس والمضي في مشروعه السياسي الخاص بسبب خلافاته مع ابن الرئيس حافظ قايد السبسي.

في ثلاث مناسبات، كانت خلافات رؤساء الجمهورية مع رؤساء حكومات هم من قاموا باختيارهم وترشيحهم في المقام الأول، لكن كل ما أراد أحدهم الاستقلال بقراره والتصرف وفقًا للدستور، إلا وكانت تعلن عليه الحرب من قصر قرطاج الذي كان ساكنه ينتظر أن يكون رئيس الحكومة وزيرًا أول لديه ينفد تعليماته ويخضع لأجنداته.

في محاولتنا الإجابة عن السؤال الذي يشكل عنوان هذا المقال، قد يبدو من الغريب القول إن الأزمات السياسية المتكررة سببها الرئيس والدستور في آن واحد. فإذا ما نظرنا من الزاوية الأولى، سنجد أن رئيسي الجمهورية اللذين أقسما على احترام دستور 2014 لم يقبلا بحقيقة أن تونس لم تعد تحكم بنظام رئاسي كما كان عليه الحال قبل 2011، وأن الأول أراد والثاني يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وحصر السلطة من جديد في قرطاج. لكن إن لم يكن هذا ليس بالغريب على الرئيس الراحل الباحي قائد السبسي الذي طالما حلم بتقمص شخصية بورقيبة، وبالتالي الحكم بصلاحيات بورقيبة، إلا أن الغريب هو أن نجد الرئيس الحالي قيس سعيد الذي كان في مضى أستاذ قانون دستوري هو أول من يخرق أحكام الدستور ويرمي به في سلة المهملات.

حجة كلا الرجلين في هذا الإطار تتمثل في أن الدستور الحالي لا يعطيهم ما يكفي من الصلاحيات لتغيير وإصلاح الأوضاع وتنفيذ وعودهم الإنتخابية، وبالتالي هم بحاجة إلى المزيد من السلطة، لكن هذه الحجج قد تبدو واهية إذا ما علمنا أن الدستور الحالي يمنح صلاحيات واسعة للرئيس على مستوى ضبط السياسات العامة للدولة فيما يتعلق بمجالات الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى أن مبادرات الرئيس التشريعية لها الأولوية في البرلمان حسب نص الدستور وهو ما يعني أن الرئيس يمكن أن يكون قوة اقتراح، مع العلم أن رئيس الجمهورية لديه أيضًا صلاحية ختم مشاريع القوانين وله حق الاعتراض عليها وإعادتها إلى البرلمان، وحتى عرضها على الاستفتاء إذا ما تعلق الأمر بمعاهدة دولية أو مشروع قانون يهم الحريات وحقوق الإنسان.

بهذه الصلاحيات، يبدو أداء الرئيس قيس سعيد على سبيل المثال هزيلًا للغاية هذا إن لم نقل أنه دون المطلوب. فلأكثر من عام، لم نر الرجل يقدم رؤية واضحة لسياسته الخارجية، ولا فعل الدبلوماسية الاقتصادية (فتح أسواق جديدة، جلب إستثمارات، شطب ديون….)، ولا سوق للتجربة الديمقراطية التونسية في الخارج مع العلم أن زياراته الخارجية تعد حرفيًا على الأصابع، ولا طرح تصوره الخاص للأمن القومي الذي لم يعد اليوم ينحصر في البعد العسكري فقط، ولا رأيناه يجمع التونسيين حول قضايا وطنية مصيرية وما أكثرها. فإن كان سعيد لم يفلح بهذه الصلاحيات على قلتها كما يدعي، هل سيفلح بالمزيد منها أم أنه سيزيد الأوضاع سوءًا لو تحول إلى فرعون سياسي؟

ومن هنا يتوضح أن الخلل ربما يكون في صفات من تولى منصب رئيس الجمهورية وليس في الدستور بحد ذاته، فلو كان لصاحب المنصب دراية جيدة بقضايا الدبلوماسية والأمن القومي (خاصة البعد المائي، الغذائي، الصحي، السييبراني..) واهتماماته لا تنصب إلا عليها، من المؤكد أن لديه هامشًا كبيرًا يمكنه التحرك فيه وتحقيق ما ينفع البلاد، بالإضافة إلى ذلك ستتوفر لديه الفرصة التي لا تتوفر لغيره على مستوى إمكانية جمع التونسيين حول قضايا كبرى مثل حماية الأمن المائي، حماية الأمن الغذائي، إنجاز التحول الرقمي، مواجهة آثار التغير المناخي.. وهي قضايا لا يمكن أن نختلف حولها كتونسيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

لكن من جهة أخرى، إذا ما نظرنا إلى الأزمة من زاوية ثانية، سنجد أن الدستور يمنح المبادرة إلى رئيس الجمهورية على مستوى تسمية رئيس الحكومة وذلك في صورة فشل الحزب الفائز في تشكيل حكومة إئتلافية تحظى بالنصاب الكافي في البرلمان، وبالتالي عندها يكون الاختيار لرئيس الجمهورية الذي من الطبيعي أن يعمل على اختيار شخص يعتقد أنه طيع لأجنداته وعبد لرغباته، وهذا خلل عميق في الدستور، وربما تكون أم الأسباب في ما نعانيه حاليًا من تعطل مؤسساتي. فمن يسمى في ذلك المنصب يجد نفسه أمام معادلة صعبة تتمثل في محاولة نيل ثقة البرلمان من جهة وعدم خسارة ثقة رئيس الجمهورية من جهة أخرى.

لتجاوز هذه الإشكالية وتلافي تكرار صراع المؤسسات، تونس تقبع أمام خيارين ولا أبالغ إن قلت أن الاختيار بينهما قد يحدد مصير كل ما بني سياسيا خلال السنوات الـ10 الماضية ويعيدنا إلى نقطة الصفر. فمن جهة هناك الرأي الطاغي داخل الأوساط الشعبية الذي يرى أن حل كل مشاكل تونس يكمن في العودة إلى النظام الرئاسي القادر في نظرهم على تسريع اتخاذ القرار وتجاوز العقبات، وقد تغذت هذه النزعة الشعبية بفعل ما وقع من خلافات ومناوشات تحت قبة مجلس النواب خلال العام الماضي؛ مما جعل طيف من الشعب يعبر عن نقمته بالرغبة في تحجيم دور البرلمان وإعادة السلطة إلى رئيس الجمهورية.

في أوساط النخب، نجد العديد من الفاعلين السياسيين الذين يتبنون هذه الغاية، لعل أبرزهم هو الرئيس قيس سعيد الذي حمل مشروع انتخابي عنوانه استبدال الديمقراطية التمثيلية القائمة بديمقراطية مباشرة ينبثق فيه البرلمان عن مجالس محلية منتخبة، مع إعادة تحمل رئيس الجمهورية مسؤولية السلطة التنفيذية كاملة عبر قيامه بتعيين رئيس الحكومة عوضًا عن أن يكون اختياره من قبل الحزب الفائز في الانتخابات كما ينص عليه الدستور حاليًا.

باستثناء الجزء المتعلق بالديمقراطية المباشرة، يكاد مشروع دستور الجمهورية الثالثة لزعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي يتطابق مع طرح قيس سعيد حيث ترى موسي أن نظام الحكم الحالي يشتت القرار السياسي ويتسبب بتضارب رؤوس السلطة، وبالتالي الحل برأيها يكون بالعودة إلى نظام رئاسي يقوم فيه رئيس الجمهورية بتعيين الحكومة دون الحاجة إلى المصادقة عليها من قبل البرلمان. قبل قيس سعيد وعبير موسي، كان رئيس حركة مشروع تونس محسن مرزوق من أول الدعاة إلى العودة إلى النظام الرئاسي، وذلك منذ سنة 2016، وعديدون هم السياسيون الذين قد يتلاقون حول هذه الغاية، خاصة منهم أولئك الذين تقودهم حسابات سياسية مفادها أن النظام الرئاسي هو الحل الوحيد لتحجيم دور حركة النهضة التي طالما حفظت لنفسها موقعًا في السلطة بفضل كتلتها في البرلمان وتشتت خصومها.

في مقابل هذه الدعوات، تبرز لنا وقائع تؤكد أن العودة إلى النظام الرئاسي لم تزل تنطوي على عدة مخاطر لا يمكن التغاظي عنها مهما حاولنا التعاطي مع هذا النقاش بشكل موضوعي. فمع تجربة ديمقراطية فتية لم تنجز إلا خطواتها الأولى، ومع قضاء لم يزل يحارب من أجل استقلاليته، ومع منظومة حزبية مترهلة، ومع لوبيات فساد تتربص بالبلاد شرًا، ومع وعي سياسي واجتماعي لم ينضج بعد، العودة إلى النظام الرئاسي قد تكون هي الرصاصة التي ستردي الديمقراطية التونسية قتيلة وتقضي على طموحات الجيل القادم في ديمقراطية غير فاسدة ومزدهرة تضمن لهم حرياتهم وتحقق لهم الرفاه الاقتصادي.

فالنظام السياسي الحالي على كل علاته، إنما هو الذي حمى الديمقراطية التونسية على الأقل في مناسبتين. الأولى عندما كان يراد إرساء مشروع توريثي خلال أيام حكم الرئيس السابق الباجي قايد السبسي حين بدأت تروج أخبار عن تدهور صحته وتعاظم سلطة ابنه، وهو المشروع الذي لم يكتب له النجاح. وهو كذلك النظام الذي يحمينا حاليًا من النزعات السلطوية التي بدأ يعبر عنها الرئيس قيس سعيد، ولولا غياب المحكمة الدستورية التي تتحمل أحزاب البرلمان قسطًا وفيرًا من المسؤولية عن عدم قيامها، لما كنا وصلنا اليوم إلى هذا الحال. فكما أنه في غياب القضاء العدلي، تحل الفوضى والاقتتال بين الناس، أيضًا في استمرار غياب المحكمة الدستورية، سوف تحل فوضى المؤسسات ولن تنتهي هذه الصراعات الصبيانية التي تسيء إلى الديمقراطية إلا بوجود هيئة قضائية دستورية قادرة على حسم الخلافات بين مؤسسات الحكم وفرض إرادتها على الجميع.

مع ذلك إذا ما تم إرساء المحكمة الدستورية، لا بد من مراجعة عميقة للدستور لا لتوسيع صلاحيات أي من رأسي السلطة التنفيذية، بل لإرساء آليات تجنب تداخل وتصادم صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مستقبلًا، وذلك حتى تحظى البلاد بالحد الأدنى من الاستقرار الحكومي، وحتى يتفرغ كل من رأسي السلطة لعمله. في هذا الإطار قد يكون من الضروري أيضًا تحديد تعريف دقيق لمفهوم الأمن القومي وحدوده، حتى لا يتحول هو الآخر إلى الشماعة لتدخل رئيس الجمهورية في كل تفصيل يخص عمل الحكومة، وحتى لا يتحول مجلس الأمن القومي إلى حكومة موازية، عوضًا عن أن يكون في تكامل معها.

بالتوازي مع ذلك أغلب الطيف السياسي يجمع اليوم على أن النظام الإنتخابي الحالي يتحمل أيضًا قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن ضعف الحكومات المتعاقبة بما أنه لا يمنح الأغلبية للحزب الفائز ويدفع إلى تشكيل تحالفات حكومية هشة وغير متجانسة، فلأنه كان هذا النظام ضروريًا عندما صيغ لانتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، وذلك حتى لا ينفرد أي طرف سياسي بكتابة الدستور، لا يوجد حاليًا ما يبرر استمراره إذا ما أردنا أن يتحمل الحزب الفائز مسؤوليته ونمر إلى حياة سياسية ديمقراطية صحية توجد فيها أحزاب تحكم وأحزاب تعارض، من ثم يكون التقييم للناخب في صندوق الاقتراع.

بين هذا وذاك، يبدو أن قدر التجربة الديمقراطية التونسية هو أن تظل مثل السفينة التي تتلاطمها الأمواج العاتية بين الحين والآخر كأغلب التجارب الديمقراطية السابقة حول العالم. هذه السفينة نجحت في ما مضى في تخطي عواصف أخطر بكثير من العاصفة الحالية، ومن المؤكد أننا ببعض الحكمة سوف نكون قادرين على تخطي هذه الأزمة. مع ذلك مقاربة حل الأزمة وجب أن تأخذ في عين الاعتبار العاجل والآجل، العاجل الذي يتمثل في الأزمة الصحية والإقتصادية التي غرقت فيها البلاد، وهذا يستدعي الإجابة على عدة أسئلة، متى سنرفع التدابير الصحية الاحترازية؟ كيف سنعيد إعادة إنعاش اقتصادنا؟ ماذا قدمنا للقطاعات الأكثر تضررًا؟

أما الآجل فهو التفكير في كيفية تفادي تكرار هذه الأزمة السياسية مستقبلًا، مع الأخذ في عين الاعتبار ما الذي نريد أن نورثه للأجيال القادمة، دولة ديمقراطية عادلة، ومزدهرة، أم دولة استبدادية فاشلة ومتخلفة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد