سينظر البرلمان التونسي يوم الثلاثاء 15 ديسمبر (كانون الأول) 2020 في لائحة مقدمة من قبل الحزب الدستوري الحر للتنديد بالإرهاب والتي تهدف لإصدار البرلمان تنديدا ضدّ تبييض الإرهاب ودعوة الحكومة لتجفيف منابعه وتفكيك منظومة تمويله وحلّ التنظيمات السياسيّة والجمعياتيّة الداعمة للعنف والفكر الظلامي المتطرّف. والهدف المحدد يدفع لطرح السؤال التالي: هل الغاية الحقيقية للائحة التنديد بالإرهاب أم تحويل المجلس النيابي (صاحب السلطة الأصلية في البلاد) إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين، خاصة مع الحملة التي يشنها الحزب الدستوري الحر ضد تحول ائتلاف الكرامة إلى حزب سياسي؟

يضمن الدستور التونسي الجديد والذي تم إقراره يوم 27 يناير (كانون الثاني) 2014 الحريات الأساسية والعامة كما يضمن حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات والنقابات إذ ينص في الفصل 35 منه على ما يلي: حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة. تلتزم الأحزاب والنقابات والجمعيات في أنظمتها الأساسية وفي أنشطتها بأحكام الدستور والقانون، وبالشفافية المالية ونبذ العنف. كما يضمن الفصل 37 حرية الاجتماع والتظاهر السلميين مضمونة.

إن النص الدستوري يشترط التزام الأحزاب والجمعيات باحترام الدستور ونبذ العنف والحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام داخل الأحزاب التي يمولها طبقًا للقانون العامة من الناس وهي تخضع لرقابة من محكمة المحاسبات التي قدمت تقريرها العام أخيرًا وبينت التجاوزات المحاسبية التي قامت بها كافة الأحزاب، والقوى السياسية، والهيئات الإعلامية، خلال الانتخابات الأخيرة سنة 2019، حيث بين التقرير أن كل الأحزاب بدون استثناء قامت بتجاوزات محاسبية. وأنها بحاجة لإعادة النظر في طرق إدارتها وتصرفها في المال العام وفي علاقاتها المالية الداخلية والخارجية (القانون في تونس يمنع منعًا باتا التمويل الخارجي للأحزاب) وأكدت على ضرورة القيام بالتحقيق في تلك التجاوزات حماية للحياة السياسية في تونس التي يهددها الفساد المستشري في الطبقة السياسية، والذي أصبح مهددا لمصالح البلد ومستقبل أجياله.

يبدو إذًا أن الالتزام بالدستور ونبذ العنف هما الشرطان الأساسيان اللذان على كل حزب أو ائتلاف سياسي أن يلتزم بهما. والالتزام بالدستور يعنى قبول ما ورد في التوطئة أن التداول على السلطة يكون بالطرق السلمية ومن خلال التنافس السياسي السلمي، وأن صاحب القرار في النهاية هو الشعب صاحب السيادة الحقيقي والفعلي. فالتوطئة تنص في فقرتها الثالثة على ما يلي: وتأسيسًا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات، والتوازن بينها، ويكون فيه حقُّ التنظّمِ القائمِ على التعددية، وحيادُ الإدارة، والحكمُ الرشيد هي أساسَ التنافس السياسي. فالمنافسة السياسية إذًا تقوم على أساس التدافع السلمي والمنافسة الفكرية لا على أساس التدافع العنيف، والإقصاء، والحل، والسجن، والتنكيل، كما هددت وتهدد دومًا رئيسة الحزب الدستوري الحر ضد الأحزاب، والحركات، والائتلافات، والجمعيات، والهيئات الإعلامية، التي تصنفها هي ضمن ما تسميه بالإسلام السياسي، أو الإخواني، وهو ما يتجلى في خطاباتها منذ انطلاق الدورة البرلمانية الحالية بعد انتخابات 2019، والحرب الكلامية التي تشنها ضد رئيس البرلمان، ونواب حركة النهضة، وائتلاف الكرامة، وقضيتها الأخيرة التي خسرتها قضائيًا ضد الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين فرع تونس، والذي يضم مجموعة من الأكاديميين المتخصصين في العلوم الإسلامية والإنسانية، والمنتمي أغلبهم إلى جامعة الزيتونة، ولا علاقة لهم بالإرهاب، أو الأحزاب، وكل ما يقومون به ندوات أكاديمية تناقش فيها جملة من القضايا في إطار معرفي وعلمي، وكان بإمكان الحزب المذكور عوضًا عن تقديم قضية تتعارض مع الفصل 33 من الدستور الذي يضمن الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي، أن يرسل من أعضائه من له القدرة العلمية والمعرفية على مجادلة الأطروحات المعروضة في الندوات، وبيان تهافتها إن كانت متهافتة، أما الرفض للرفض ومحاولة استغلال القضاء لتصفية جمعية لا تروق لهذا الحزب، فلا علاقة له بالحياة الديمقراطية، ولعل الأخطر هو رفض الحكم القضائي، والقيام باعتصام أمام مقر الجمعية في مخالفة صريحة لروح الدستور ذاته، وهو أمر طبيعي من حزب لا يعترف أصلًا بدستور 2014، وهنا يطرح سؤال حول كيفية حصوله على ترخيص نشاط، وهو الذي يقر صراحة وعلنًا برفضه للدستور التونسي الجديد، وعدم إقراره بالثورة التونسية التي يعتبرها انقلابًا على حكم بن علي، وهو بذلك يخالف بشكل صريح ما ورد في التوطئة حول الثورة التي تنص صراحة على ما يلي: وتحقيقا لأهداف ثورة الحرية والكرامة، ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 يناير 2011، ووفاءً لدماء شهدائنا الأبرار، ولتضحيات التونسيين والتونسيات على مرّ الأجيال، وقطعًا مع الظلم، والحيف، والفساد. وكذلك في تعارض تام مع الفصل 35 حول شروط تشكيل الأحزاب.

إن الهدف من اللائحة المعروضة على البرلمان للمصادقة يوم الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 ليس التنديد بالإرهاب، وهو تحصيل حاصل في تونس باعتبار أن كل الأحزاب والجمعيات، ومهما كانت خلفيتها الفكرية والعقائدية تندد وبشكل حاسم بالإرهاب وبالقوى الداخلية والخارجية التي تقف خلفه، ولا يوجد في أدبيات أي حزب أو جمعية ما يشير إلى تبنيها للعنف المسلح أو الإقرار بأن التغيير السياسي يقوم على أساس العنف، فالكل المعترف بالدستور يقر بأن الشرعية الوحيدة التي تمنح السلطة، إنما هي شرعية الصندوق التي يقررها الشعب التونسي بصفته صاحب السيادة الحقيقي والفعلي، وهو يفوض من يشاء طبقًا لإرادته الخاصة، وعلى الجميع احترام تلك الإرادة التزامًا بنص الدستور والقانون وحفاظًا على السلم الأهلي، وحماية لقيم الحرية، والكرامة، والمساواة، والعدالة. ولكن الحزب الدستوري الحر الذي لا يعترف أساسًا (هو الجناح في الدساترة الذي لا يعترف بالثورة وبتجاوزات النظام الاستبدادي في حق الشعب التونسي وقد احتفل أخيرًا بانقلاب بن علي) بالثورة التونسية، ولا بالدستور التونسي يفكر خارج الصندوق، ويريد العودة بتونس لمربع الاستبداد، والتنكيل بالخصوم السياسيين مدعومًا من قوى خارجية حولت أذرعها الإعلامية لناطقة باسم رئيسة الحزب في إطار حرب تلك القوى المعلنة على جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها بما في ذلك المقاومة الإسلامية في فلسطين التي تنكل تلك الدول بقياداتها وهي التي لم تتدخل يومًا في أية دولة عربية وترفع شعارًا واحدًا، وهو مقاومة الاحتلال في فلسطين، وقد وصل الأمر بأحد المتعاطفين مع الاستبداد في تونس أن تحدث على قيام حركة حماس بحفر نفق من غزة حتى جبل الشعانبي في تونس لدعم الإرهابيين، وهو ما أثار موجة سخرية كبرى في تونس. هؤلاء هم من يقفون خلف اللائحة التي ستعرض على البرلمان التونسي في اليوم المعلوم، وغايتهم ليس التنديد بالإرهاب في تونس، والذي تساهم تلك القوى الخارجية التي تقف خلفهم فيه، بل هدفهم دفع تونس نحو حرب أهلية تخدم مصالح تلك القوى وتساهم في زيادة المكاسب المالية لبيادقهم في تونس.

إن الغاية من اللائحة إذا ما تبناها البرلمان التونسي، وهو أمر ممكن إذا تحالفت كل القوى العلمانية (نكاية في منافسيهم الإسلاميين)، إنما هو تصفية خصوم سياسيين لم يكن بالإمكان التغلب عليهم عبر صناديق الاقتراع، وهو أمر طبيعي بالنسبة لورثة الفكر النوفمبري (الأوفياء لبن علي)، ولكن مستغربًا من قوى ترفع شعار الديمقراطية، وتتحالف مع الفاشية لضرب خصم سياسي تفترض الديمقراطية أن نتنافس معه في إطار الدستور، والقانون، والتداول السلمي على السلطة، لا عبر انقلاب اللوائح. فاللائحة الجديدة حول التنديد بالإرهاب كلمة حق يريد بها باطل. وهذا الباطل إنما هو توريط القضاء والدولة في حرب قذرة مورست قبل الثورة من نظام الاستبداد ضد الإسلاميين خدمة لمصالح دول تتعارض مع المصلحة العليا لتونس الديمقراطية التي تدار فيها الصراعات داخل حلبة الحرية لا داخل حلبة السجون.

إن الإرهاب أمر مرفوض إسلاميّا ودستوريّا ولا مجال لتبييضه من أي قوة مهما كانت سياسية أو فكرية، ولكن لا يجب أن يتحول التنديد بالإرهاب إلى بوابة للتنكيل بالخصوم السياسيين، أو حجب الحرية الأكاديمية التي بدونها لا يمكن تفكيك تلك الظاهرة، والبحث عن الآليات الفاعلة لتحرير المجتمعات العربية والإسلامية منها باعتبارها أول ضحية لها. ولعل أول ما يجب القيام به لقطع الطريق أمام الإرهاب هو قطع الطريق أمام عودة الاستبداد لتونس والسعي نحو تحرير الأمة العربية والإسلامية من الاستبداد، وهو الحليف الموضوعي للإرهاب. فما دام هناك استبداد لا يمكن التحرر من الإرهاب الذي يتغذى منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد