لحظات تاريخية شهدتها تونس بانتصار المرشح المستقل قيس سعيّد على إثر فوزه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية التونسية بفارق أكثر من 40 نقطة على منافسه رجل الأعمال نبيل القروي.

وقال سعيد في أول كلمة له بعد إعلان فوزه في الانتخابات إن «عهد الوصاية انتهى»، مؤكدًا أن مشروعه السياسي يرتكز على الحرية، وحيّا جموع التونسيين الذين صوتوا له والذين لم يصوتوا له على حد سواء، ووصف ما يجري بأنه «مرحلة تاريخية يستلهم الآخرون منها العبر».

وأكد أنه سيعمل على دعم القضايا العادلة، موليًا أهمية كبرى إلى القضية الفلسطينية، لأن الثورة التونسية «ثورة ذات بعد إنساني»، حسب تعبيره، كما أكد أن بلاده ستواصل احترام تعهداتها الدولية.

انتصار تبعه تجّمع عدد من أنصاره في شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية للاحتفال بـ«فوزه». وقال سعيد في كلمة بعد إعلان فوزه إن «الدولة التونسية مستمرة ونعي حجم المسؤولية»، مضيفًا: «القانون في تونس سيتم تطبيقه على الجميع».

واعتبر العديد بأن تونس تميزت بهذه النسب في الانتخابات الرئاسية ومثلت مثالا فريدًا في الوطن العربي بتجربتها في التحول الديمقراطي، عبر الحفاظ على الديمقراطية كوسيلة للتغيير السياسي والتداول السلمي على السلطة.

الشعب يريد!

«الشعب يريد» كان شعار الرئيس السابع للجمهورية التونسية في حملته الانتخابية التي عبر فيها صراحة عن رفضه للتحزب، ونأى بنفسه عن الانتماء لأي تيار سياسي.

وقد صرّح الأستاذ قيس سعيد وفي تغريدة له حول وعوده الانتخابية «لست في حملة انتخابية لبيع أوهام والتزامات لن أحقّقها، بل أنا ملتزم بما أقول وأعد به، عكس وعود الأحزاب التقليدية التي لم يكن حظ الشعب التونسي منها إلا كحظ المتنبي من وعود كافور الإخشيدي». هكذا عبر الرئيس التونسي المنتخب قيس سعيّد عن موقفه من المنصب الذي فاز به في تغريدة عبر حسابه على تويتر.

وقد عرف الأستاذ قيس سعيد بانحيازه للمواطنين عبر عديد التصريحات والمواقف الأخلاقية طوال فترة الحملة الانتخابية، ذلك فضلا عن مواقفه التي أثارت دهشة البعض لعل أبرزها قراره بعدم المشاركة في حملته في الجولة الثانية للانتخابات «لدواعٍ أخلاقية، وضمانًا لتجنب الغموض حول تكافؤ الفرص». ومرد ذلك أن منافسه، نبيل القروي، قضى في السجن 48 يومًا في التوقيف بسبب تهم تلاحقه بغسل أموال وتهرب ضريبي.

وستتمثل أولى مهام الرئيس قيس سعيد تكليف مرشح لتشكيل الحكومة الجديدة، وفقًا للنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات التشريعية التي جرت في السادس من أكتوبر الحالي. وقد أسفرت الانتخابات التشريعية عن فوز حركة النهضة الإسلامية بأغلبية غير مريحة بـ52 مقعدًا، في مقابل 38 مقعدًا لحزب «قلب تونس» الذي حل ثانيًا.

وبالرغم من أن صلاحيات رئيس البلاد محدودة بالمقارنة مع تلك التي تمنح لرئيس الحكومة والبرلمان. الا أنه سيمثل أعلى هرم في السلطة، وسيحكم البلاد لمدة تمتد خمس سنوات غير قابلة للتجديد إلا مرة واحدة، وستكون له مهام وصلاحيات عدة، لعل أبرزها أنه يمثل الدولة ويختص برسم السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة، وذلك وفقًا للفصل 77 من الدستور.

دمقرطة النظام السياسي!

اعتبر العديد ان المترشح المستقل لم يكن من الممكن أن يتجاوز الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، وبالرغم من أن المرشحين للرئاسة كانوا يحشدون أنصارهم في الحملة بكل السبل المتاحة من أموال طائلة ومساندات إعلامية، وخطابات سياسية لحشد الناخبين اكتفى أستاذ القانون بتمويل ذاتي يكاد لا يذكر وحشد طلابي وأكاديمي عاضده في حملته طوعًا.

لقد تجند المئات من طلاب أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد من داخل الجامعات ومن خارجها لمساندته بمختلف الطرق، وبكل المحامل منها الافتراضية ومنها الواقعية. فكان المشهد أشبه بتغيير جذري لمفهوم الحملات الانتخابية.

وبالرغم من أن الأستاذ القانون الدستوري قيس سعيد تمكن من الاستحواذ على أصوات التونسيين في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية دون القيام بحملة انتخابية مكلفة على غرار بقية المترشحين إلا أنه تمكن الفوز بإرادة شعبية ساحقة.

وحول توجهاته أشار سعيد بالقول: «يتهمونني مرة بأنني سلفي وأحيانًا بأنني يساري، المهم هو إرادة الشعب، الشباب هم الذين يدعمونني». هكذا عبر سعيد عن الاتهامات التي لحقته. وقد كشف سعيّد سابقًا ميوله الحقوقية والاجتماعية، فهو ضد المساواة في الميراث ومع تجريم المثلية الجنسية وضد إلغاء حكم الإعدام بالرغم من أنه رجل قانون دستوري لطالما دافع عقب الثورة عن المكتسبات الحقوقية. هذا التوجه المحافظ جعل معسكرات حزبية تصنفه «رجل الإسلاميين» وهو نعت يرفضه سعيّد.

استقامة وزهد وتصورات أفلاطونية، ثالوث لم يثق به البعض واعتقدوا أنه بمنأى عن ترأس قصر قرطاج، وقد وصل البعض

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى درجة الاستهزاء بتصورات هذا الرجل «غير الواقعية». حتى بعض الوسائل الإعلامية شنت هجومات عديدة ضد شخص المترشح قيس سعيد وضد تصوراته المثالية للدولة ولسياستها الداخلية والخارجية، مساندة بذلك منافسه رجل الأعمال وصاحب قناة «نسمة» نبيل القروي بالرغم من كل الشبهات والاتهامات التي جالت حوله قبل وإثر الحملة الانتخابية.

ليس برجل دولة ولقي دعم مختلف الأطراف السياسة

لقي قيس سعيد دعم أغلب الأطراف السياسية، الجديدة منها والقديمة بمختلف انتماءاتهم السياسية، مستقل ترفع عن الخصام الأيديولوجي جامعًا بذلك أغلب التونسيين الذين منحوه ثقتهم.

ولئن كانت هذه المساندة بعضها عائدة لأسباب مبدئية وأخرى براغماتية فقد تسابقت عديد الأطراف الحزبية الممثلة في البرلمان الجديد، بل وقد اتفق اليسار- المتمثل في حزب الوطنيين الديمقراطيين – لأول مرة في تاريخه السياسي مع حزب النهضة الإسلامي، في موقف سياسي عنوانه مساندة قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية.

كما هنأ زعماء العالم والقوى الإقليمية المؤثرة فوز قيس سعيّد، إذ يبدو سعيّد اليوم قادر على توحيد الصفوف التي لطالما ما انشقت عن بعضها البعض مخلفة بذلك توترات اجتماعية وسياسة وتجاذبات لم تخدم الشعب قط.

من المنتظر أن يتضح في الفترة المقبلة تموقع رئيس تونس الجديد، وبالرغم من أن صلاحياته محدودة إلا أن إرادة الشعب الساحقة أرادت له أن يرأس مؤسسات الدولة ويقودها. هي إرادة تواقة إلى الكرامة والعمل والاستقرار، رافضة استحواذ أي من الأطراف السياسية على المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. مسؤولية وثقة عظمى حملها الشعب التونسي للأستاذ قيس سعيّد آملين أن يفك شفرة هذه الثقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد