قراءة في نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية

انتهت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية، وهي الاستحقاقات الرئاسية الثانية بعد نجاح ثورة 2011 وإسقاط الرئيس زين العابدين بن علي. وأسفرت النتائج، كما أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عن مرور المرشح المستقل قيس سعيّد، والمرشح السجين نبيل القروي، إلى الدور الثاني.

كانت النتائج صادمة للكثيرين، ووصفتها صُحف تونسية بـ«الزلزال السياسي» لاعتبارين اثنين؛ الأول هو الخسارة التي مُنيت بها المنظومة الحزبية؛ فالمرشحان معا يُحسبان على «المستقلين»، رغم أن أحدهما (القروي) ترشح باسم حزبه حديث التأسيس بعد انشقاق مؤسسه عن حزب «نداء تونس»، لكن القروي وسعيّد لم ينتميا سابقًا إلى أحزاب تقليدية قبل الثورة.

الثاني وهو التصويت العقابي ضد كل من شكلوا جزءًا من منظومة الحكم التي أدارت دواليب الدولة، منذ نجاح ثورة 2011، فمجموع النسبتين اللتين حصل عليهما كل من قيس سعيّد ونبيل القروي (ما يقارب 34%) يتجاوز ما حصل عليه خمسة من المرشحين الذين تولّوا مناصب حكومية منذ 2014 (33%).

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، في انتظار اقتراع الإعادة، من المستفيد ومن المتضرر من الجولة الأولى من السباق الرئاسي، الذي شارك فيه أكثر من 3 ملايين و465 ألف ناخب، من مجموع 7 ملايين و747 ألفًا مسجلين في اللوائح الانتخابية، أيّ بنسبة إقبال بلغت 45% في بلد تقدر ساكنته بأزيد من 11.5 مليون نسمة؟

بين المرشح المغمور وبرلسكوني تونس

حاول أن تكتب اسم المرشح المتصدر للنتائج في محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، وستجد توصيفًا واحدًا نقلته جل وسائل الإعلام بتغيير بسيط في العبارات: «قيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري، برز اسمه بعد الثورة وتميز ظهوره المكثف في وسائل الإعلام بتحليلاته الدستورية والسياسية الرزينة، ولغته القويمة وصوته الجهوري وأسلوبه الآلي في الحديث، دعا إلى مقاطعة كل الاقتراعات السابقة». هذا ما نعرفه عن الرجل قبل أن يقرر الترشح، أضيف إلى ذلك – بعد إعلان الترشح- قيامه بحملة وُسمت بالتقشف قادها الشباب المتحمس لرؤى الرجل، المؤمن بنظافة يده واتقاد فكره.

على الطرف الآخر نبيل القروي وجه لا يخفى على متتبع ماضيه وحاضره، فهو مالك قناة «نسمة»، التي لم تخف انحيازها الكامل للدفاع عن نظام بن علي إبان الثورة، وإفساحها المجال لبعض رجال نظامه بعد سقوطه، ثم تأييدها للرئيس الراحل باجي قايد السبسي في انتخابات 2014 الرئاسية.

حاول نبيل القروي في السنوات الأخيرة تكريس صورة رجل الأعمال الناشط في المجال الخيري، بتوزيعه إعانات على العائلات الفقيرة، معتمدًا في ذلك على البرنامج التلفزيوني الأسبوعي «خليل تونس» (نسبة إلى اسم ابنه الذي توفي في حادث مرور عام 2016) الذي يبث أسبوعيًّا على قناته «نسمة» التي يعد رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني أحد مؤسسيها ومموليها، ما جعل عددًا من الصحف العالمية تشبه القروي بـ«الفارس» الإيطالي لتشابه سيرة الرجلين.

اليسار.. جثة في انتظار البعث أو الإحياء؟

يبدو العنوان قاسيًا بالنظر إلى تاريخ اليسار التونسي وقوته «المفترضة»، لكنه يبدو واقعيًّا قياسًا على نسب النتائج التي حققها، وقد يعلل البعض هذا الضعف بتعدد المرشحين وتوزع الأرقام، لكن قراءة دقيقة للأرقام نفسها تظهر معالم خلل عضوي ينخر التيار.

ويمكن حصر مرشحي اليسار التونسي في: حمة الهمامي (حزب العمال)، محمد عبو (حزب التيار الديمقراطي)، منجي الرحوي (حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد- وطد)، عبيد البريكي (حركة تونس إلى الأمام)، إلياس الفخفاخ (حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات).

ويكفي أن ندلل على صحة الوصف السابق بالإشارة إلى أن المرشحين الخمسة تحصلوا مجتمعين على 5.64%، وهي –في مقارنة دالة- أقل من النسبة التي حصل عليها الطبيب والمؤلف (لطفي مرايحي) ليس له تاريخ سياسي قبل 2011، ولا يقف خلفه ذراع حقوقي أو كيان سياسي.

كما أن مقارنة اليسار بنفسه تظهر تدهور حاله؛ فالقيادي حمة الهمامي تحصل في رئاسيات 2014 على نسبة 7.82%، وهي النسبة التي تخلّف عن تحقيقها القياديون – الخمسة- مجتمعين بأكثر من نقطتين اثنتين. كما أن عدد من صوتوا للهمامي سنة 2014 تجاوز ربع مليون تونسي، فيما لم يتخط العدد 24 ألفًا في انتخابات 2019، وذاك رقم أقل بكثير من حجم التزكيات الشعبية التي جمعها، والتي بلغت 32 ألف تزكية.

النهضة.. إعادة التحجيم

حصل مرشح «حركة النهضة» عبد الفتاح مورو على دعم أكثر من 434 ألف ناخب، بنسبة 12.8% من مجموع الناخبين ليحتل المرتبة الثالثة، وانقسم المراقبون في قراءة خسارة النهضة هذه، بين من رأى أنها مسألة طبيعية، نظرًا إلى تولي الحركة مقاليد الحكم – أو المشاركة في صنع القرار على الأقل- منذ أول انتخابات أجريت في البلاد بعد نجاح الثورة، وبين من رأى في الأمر إيذانًا بقرب اندحار الإسلاميين.

الحركة انتقلت من الأرقام العالية (أكثر من 1.5 مليون صوت) التي حصدتها في انتخابات المجلس الوطني عام 2011، وهي أول استحقاقات بعد نجاح الثورة، إلى أقل من نصف مليون صوت، أي إن الحركة خسرت أكثر من مليون صوت انتخابي.

قد تبدو هذه القراءة سطحية إن أغفلت السياق الذي مرت به الحركة منذ 2011، والتحولات التي شهدتها الخريطة السياسية التونسية، وكذا تشتت أصوات المتعاطفين مع تيار النهضة «الإسلامي» بين المرزوقي، الذي سبق أن دعمته الحركة – دعمًا غير رسمي- وحمادي الجبالي المنشق عن الحركة، وقيس سعيد المعروف بخطه المحافظ، لكن نتاج كل هذه المعطيات يفرز رأيًا موحدًا، وهو أن الحركة بدأت تأخذ حجمها ضمن الخريطة الحزبية بوصفها حزبًا سياسيًّا له مؤيدون ومعارضون، لا كيانًا يُفترض أن يكتسح كل اقتراع يلجه، لكن هذا المعطى ينتظر نتائج الاستحقاقات التشريعية المقررة في 6 أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

الدعم و«العداء» وفق منظورين

إن الاصطفاف في سباق الرئاسة في تونس ينبني وفق منظورين اثنين؛ الأول هو الاصطفاف من منظور المواقع: ثورة/ دولة عميقة، وهي الرؤية التي تجعل كل مرشح سابق، أو قائد رأي، أو ناخب يتخذ قراره بدعم أحد المترشحيْن بناء على موقع المرشح، فسعيّد هو ابن شرعي لثورة جانفي (يناير/ كانون الثاني)، وخصمه معروف بقربه وعلاقاته مع نظام بن علي الذي أطاحته الثورة، ومعروف أيضًا باستمرار أواصر السياسة بينه وبين رموز النظام السابق. على إثر ذلك حسم عدد من المرشحين السابقين المحسوبين على الصف الثوري قرارهم بالدعم الكامل لسعيّد (مورو، المرزوقي، عبو، المرايحي، الجبالي). وعلى الطرف الآخر تشير كل المؤشرات إلى أن المرشحين المحسوبين على «النظام» يتجهون لدعم القروي.

المنظور الأيديولوجي: وعلى أساسه بنى عدد من الناخبين رأيهم بناء على مدى اقتراب أو تماس رؤى أحد المرشحيْن مع خطهم الأيديولوجي. ومن ذلك ما تبدى من ملامح «الحملة» التي أطلقها عدد من رموز «التيار العلماني» للتحذير من الميول المحافظة لسعيّد، مذكرين بآرائه حول المساواة في الإرث، وموقفه من العلاقة مع الغرب. في مقابل اتجاه أغلب المحافظين إلى دعم سعيّد لتماسهم مع خطابه الهووري في مواجهة القروي الذي يحمل رؤى أقل محافظة.

مهما تعددت أوجه قراءة نتائج الانتخابات الرئاسية، يظل الثابت اليقيني أن التونسيين يسيرون في طريق «احتراف» الفعل الديمقراطي بضوابطه وقواعده ومفاجآته، وتقبلهم لنتائجه أيًّا كانت طبيعتها، في محيط عربي تحسم فيه النتائج قبل انطلاق الحملات، ويُهنأ الفائزون قبل ضبط لوائح الانتخابات، كل هذا بافتراض إجراء اقتراع لاختيار «الزعيم».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات