أكتب لكم اليوم هذا المقال وقد انقضى الشهر الأول من إعلان الرئيس قيس سعيد عن إجراءاته المثيرة للجدل يوم 25 يوليو (تموز)، فيما قد يعتبر أبرز حدث مفصلي عرفته تونس منذ رحيل بن علي عن السلطة قبل 10 سنوات. في الأثناء وبعد مرور قرابة أربعة أسابيع، غاب النقاش في الشارع حول إذا كان ما أقدم عليه الرئيس انقلابًا، أو تصحيح مسار، وحضر الترقب حيال مشهد تسوده الضبابية، لا يعلم فيه أحد بما في ذلك الأحزاب المقربة من الرئيس؛ ما سيقدم عليه من خطوات في قادم الأيام.

كل التصريحات الأخيرة للرجل والتسريبات الصحافية التي كان آخرها مقال نشر بصحيفة جون أفريك تشير إلى أن الرئيس ماض إلى الأمام في مشروعه ولن يتراجع إلى الوراء أو على الأقل يتوقف حد ما أعلنه قبل شهر، حيث يعتقد أن الإعلان عن إسم رئيس الحكومة القادم سيكون قريبًا، بالإضافة إلى استمرار تمديد تجميد عمل البرلمان، وربما الإقدام على خطوة تعليق العمل بالدستور التي قد تكون حاسمة على مستوى تطور الأحداث.

بين نوايا الرئيس وتوجسات خصومه ومعارضيه، بين توازنات الداخل وضغوطات الخارج، يبدو المشهد التونسي مفتوحا على عدة سيناريوهات قد تكون فيها العودة إلى وضعية ما قبل 25 يوليو شبه مستحيلة بينما قد تكون العودة إلى وضعية 14 يناير (كانون الثاني) 2011 شبه ممكنة وممهدة، من حيث تهديم كل البناء السياسي الذي تم تشييده بعد الثورة وإقامة بناء آخر مكانه سنحاول التعرف على ملامحه من خلال هذا المقال.

السيناريو الأول

هو السيناريو الذي يبدو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة القادمة والمتمثل في قيام الرئيس بتمرير مشروعه القاضي بتغيير نظام الحكم إلى النظام الرئاسي، بالإضافة إلى تعديل النظام الانتخابي ليصبح الإقتراع على الأفراد عوضا عن القوائم وتعديل قانون الأحزاب، مع إعادة بناء السلطة من المحلي إلى المركزي، حيث يقترح مشروع الرجل انتخاب مجلس محلي على كل معتمدية ليفرز هذا المجلس فيما بعد مجلسًا جهويًا (على مستوى الولاية) ومجلسًا تشريعيًا (على مستوى البلاد).

أول الشروط التي سوف يحتاجها الرئيس لإرساء هذا المشروع يبدو أنه قد ضمنها، وهو الشرط المتمثل أساسًا في نيل الدعم الشعبي لهذا التصور. في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية التمثيلية التي تبنتها تونس خلال العشرية الماضية كانت عنوان خيبة كبيرة لفئة واسعة من التونسيين، الذين لم يجدوا فيها ما حقق مطالبهم واستجاب لآمالهم التي عقدوها عقب رحيل بن علي سنة 2011. ففي لب هذه الديمقراطية التمثيلية، قدم البرلمان أسوأ صورة يمكن أن يكون عليها خاصة خلال العام الأخير، حيث لم يترك مجالًا لأحد كي يتحسر عليه أو يدافع عنه، هذا بالإضافة إلى أن نظام الحكم الهجين الذي أرساه دستور 2014 صار في نظر فئة كبيرة من التونسيين سببًا في التعطيل الذي أصاب البلاد خلال السنوات الماضية. واليوم سعيد يستثمر جيدًا هذا المعطى، وهو يراهن على النقمة الشعبية على كل النخب السياسية التي أثثت المشهد خلال العشرية الماضية، سواء ممن حكموا أو ممن عارضوا.

معطى داخلي ثاني قد يشجع الرئيس أيضًا على المضي في هذا السيناريو هو حالة التشتت التي تبدو عليها جبهة خصومه حاليًا، نعم قد تكون هناك فئة معتبرة من النخبة ومن الشعب معارضة لما أقدم عليه الرئيس أو ناقدة لأدائه أو متوجسة من نواياه، لكنها غير مستعدة للتوحد ضده على الأقل خلال المرحلة الحالية وفي هذا الظرف. فعندما ننظر حاليًا إلى المشهد، نجد حزب حركة النهضة ومعه ائتلاف الكرامة الذي يتماهى معها في أغلب مواقف، لكن هناك أيضًا معسكرًا آخر يرى أن قضيته هي الحفاظ على المسار الديمقراطي وعدم الارتداد عنه وهذا المعسكر يحمل حركة النهضة مسؤولية تحالفاتها مع الفاسدين وأحزاب السيستم خلال السنوات الماضية، ويرى فيها مع قيس سعيد عنوانًا للأزمة التي نعيشها اليوم، والتقارب أو حتى التقاء الغايات بين هذين المعسكرين تبدو اليوم بعيدة المنال.

على المستوى الخارجي، الدعم الاقتصادي الذي سيقدم إلى تونس خلال قادم الأيام سيكون حاسمًا بالنسبة لهذا السيناريو. جل الخبراء يتفقون اليوم على أن تونس غرقت في أزمة مالية واقتصادية خطيرة وهي الأزمة التي كان قد عصفت بحكم بن علي رغم قبضته الأمنية وأطاحت بحكم النهضة رغم أن صناديق الاقتراع منحتها نظريًا السلطة، وهي بدون شك ستكون قادرة على الإطاحة بأي حاكم، أو حزب آخر يفشل في التعامل مع هذه الأزمة الاقتصادية وفي اتخاذ القرارات الجريئة. ويكفي فقط أن نعلم أن تونس بحاجة إلى 10 مليار دينار من أجل تغطية نفقات الأربعة الأشهر المتبقية من هذا العام في وقت يبدو فيه التوجه إلى الأسواق المالية الدولية شبه مستحيل، حتى نعرف حجم المأزق الذي تواجهه البلاد اليوم.

السيناريو الثاني

السيناريو الثاني لا يختلف عن الأول من حيث المقدمات المتمثلة في حتمية تغيير الدستور الحالي سواء جزئيًا أو كليًا، لكن في هذا السيناريو قد تجبر بعض العوامل الداخلية والخارجية قيس سعيد على الالتقاء في نقطة ما مع خصومه وعدم المضي في مشروعه بشكل كامل.

نعم قيس سعيد ربما يتمتع حاليا بشعبية لم يحظ بها أي سياسي منذ عهد بورقيبة، لكن هناك استحقاقات اقتصادية كبرى في انتظاره وهي استحقاقات ليس بالهينة على الإطلاق، فما ورثه عن الحكومات السابقة من تركة اقتصادية ثقيلة تكفي بعض المؤشرات مثل نسبة النمو أو نسبة البطالة أو نسبة المديونية لتبيان مدى خطورتها، وهي ما قد تكون سببًا في تحويل الدعم الجارف له إلى خيبة شعبية ثانية، وربما انفجار اجتماعي جديد على المدى المتوسط.

في هذا السيناريو، إذا لم يتلقى قيس سعيد دعمًا اقتصاديًا كبيرًا من الخارج، سيكون لزامًا عليه التوجه نحو صندوق النقد الدولي طالبًا النجدة، لكن ما سيطلبه الصندوق هذه المرة وهو ما سبق أن طلبه سابقًا، هو وصفة من الإجراءات التي ستكون مؤلمة، ومؤلمة جدًا، من رفع للدعم عن السلع الأساسية وتجميد الأجور، وهو ما سيكون مكلفًا انتخابيًا. ولا أتوقع أن سعيد ساذج حتى لا يدرك أن الإقدام عليها سينزل بشعبيته إلى الهاوية، وبالتالي لا أظن أن الرجل سيرضى بأن يتحمل المسؤولية أو يدفع الفاتورة لوحده، خاصة أنه سيكون الوحيد في الواجهة.

لكن بالإضافة إلى التحدي الاقتصادي، هناك واقع آخر أظن أن قيس سعيد سيصطدم به عن قريب وبشكل حتمي إن كان فعلًا جادًا فيما يعلنه من حرب على الفساد والمفسدين، وهو الواقع المتمثل في عدم القدرة على مواجهتهم فقط بالخطابات النارية. فهو سيتفطن عاجلًا أو آجلًا أن الحرب مع بارونات الفساد والتهريب ليست بالأمر السهل، ولا هي بحرب العام أو العامين ولا هي بحرب الرجل الواحد، الحرب على الفساد هي حرب الأنفاس الطويلة، وهي الحرب التي يجب أن ينخرط فيها الجميع من القاعدة إلى أعلى الهرم، حيث لا يمتلك أي شخص عصا سحرية يمكن أن يقضي بها في على الفساد المستشري في كل القطاعات (في الصحة، في النقل، في الفلاحة، في التجهيز، في التجارة…) في غمزة عين كما يحاول البعض توهم ذلك، واكتشاف هذا الواقع قد يدفع بسعيد إلى مراجعة حساباته والتراجع بضع خطوات إلى الوراء.

في الأثناء الفارق الوحيد بين الأمس واليوم، هو أنه في نفس هذه الفترة من السنة الماضية كنا أمام حكومة بلا رؤية ولا روح ولا تصور أحاطت بها أحزاب انتهازية تهربت من مسؤولياتها في الحكم، أما اليوم فقد صرنا أمام رئيس جمهورية بلا حكومة ولا رؤية تحيط به أحزاب لا تعلم إلى أين يقود البلاد. نعم إنها العثرة التي توقعتها شخصيًا، والتي كان لا مناص من وقوعها كما تخبرنا بذلك التجارب التاريخية لأغلب الثورات المعاصرة، ربما هي مرحلة ضرورية حتى يدرك عامة الناس عاقبة الأفكار الشعبوية، وربما هي فرصة للنخب حتى تقوم بمراجعات عميقة وتطرح على نفسها الأسئلة الصعبة، الديمقراطية حتمًا سوف تنتصر، لكن من الواضح أن طريق تثبيتها سيكون طويلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد