دراسة لمختلف الحلول المطروحة لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعيّة

المقال الألف تقريبًا الصّادر بهذا العنوان، بحكم تعدّد المحطّات التي مرّت بها البلاد، والتّي لطالما تميّزت برؤية ضبابيّة تمتدّ من ميل إلى ميلين، على غرار خليج قابس تضعنا في مفترق طرق يحتمل أكثر من سيناريو، المحطّة الانتخابيّة الحاليّة لم تكن نشازًا عن هذه العادة – عادة حميدة أم لا سؤال يحتاج إلى مقال آخر- بل إنّ هذه المحطّة من الممكن تصنيفها كأكثر المفترقات تعدّدًا للاحتمالات.
في هذا الإطار تتنزّل هذه المحاولة في استقراء مختلف السيناريوهات النّاتجة أساسًا من الفسيفساء البرلمانيّة التي أفرزتها النتائج الأوليّة للانتخابات التشريعيّة، مع محاولة تقييميّة لكلّ سّيناريو.

سيناريو التوحّد المفترض لما يسمّى بالأبناء الشرعيين للثّورة

مع التغيّر الجذري لخطاب حركة النّهضة إبّان صدور نتائج الانتخابات الرّئاسيّة، هذا التغيير الذي كان تحت شعار «فهمنا الرّسالة»، والاستحضار القويّ للخطاب المحمّل بالمعاني «الثّوريّة» والتنكّر للتحالفات السّابقة، واستحضار مفاهيم الإكراهات والانحناء أمام العواصف الإقليميّة، تستعيد حركة النّهضة شيئًا فشيئًا موقعًا في ما يسمّى بقوى الثّورة تحت شعار «فرصة التدارك الأخيرة»، ويبقى السّؤال هنا هل هو خطاب تسويقيّ لتجاوز الامتحان الانتخابي؟ أم خطاب يعبّر عن قناعات ستجسد في انتهاج خطّ سياسيّ جديد، ومع صعود قوى جديدة، أو فلنقل مع انتظام عناصر لجان حماية الثّورة وناشطين فيسبوكيين، في إطار جديد سمح لهم باقتحام العمل النّيابي بكتلة محترمة من ناحية العدد، إضافة إلى حصول حزب التيّار الديمقراطي على المرتبة الثالثة، وحركة الشّعب على المرتبة الرابعة.

كلّ هذه المعطيات جعلت البعض ينساق وراء حلم ما يسمّى بالحكومة الثّوريّة، الّتي ستقود الإصلاح في البلاد، ولكن تصطدم هذه الفرضيّة بالعديد من الصّعوبات والحواجز، أوّلها تصريحات التيّار الديمقراطي وحركة الشّعب المعلنة عن تموقعها في المعارضة، وعدم نيّتها المشاركة في الحكم كحلفاء لحركة النّهضة، ثاني هذه العراقيل هي الصّورة الدّوليّة لائتلاف الكرامة الّذي يتميّز بخطاب معاد للحلفاء التقليديين للدّولة التونسيّة، والذّي سيضع أيّ طرف يدخل في تحالف مع هذا الائتلاف في حرج كبير في علاقته بالقوى الإقليميّة، أمّا العائق الأخير فهو طبيعة حركة النّهضة المحافظة، والّتي ترفض الدخول في صدامات تمسّ الاستقرار، والتي تتعارض مع البرنامج الثّوري الذّي يتعلّق بمحاربة اللوبيات والفساد، والمساس بمصالحها وما ينجرّ عنه من حرب معلنة وغير معلنة مع هذه الأطراف القويّة، والتي من شأنها أن تهدّد الحركة في ذاتها واستقرار البلاد، إذن نحن أمام أقلّ السيناريوهات إمكانيّة للتحقّق.

سيناريو حكومة الوحدة الوطنيّة الموسّعة

في الظرّوف العاديّة، وفي أغلب التّجارب الديمقراطيّة، المشهد الحالي للبرلمان يفترض حكومة وحدة وطنيّة، تشارك فيها كلّ الحساسيّات السياسيّة، لكن العديد من العراقيل في تونس تحول دون هذا السيناريو، أوّلها هو التّنافر الحاصل بين القوّة الأولى والقوّة الثّانية في البرلمان؛ فحركة النّهضة بنت حملتها على أساس التعهّد بعدم التحالف مع قلب تونس، وما سمّتهم بمن «تحوم حولهم شبهات فساد»، والإخلال بهذا الوعد ستكون تداعياته كبيرة على الجسم الدّاخلي للحركة، وسيضع كينونة الحركة أصلًا في خطر، أمّا قلب تونس فهو يرى أنّ حركة النّهضة هي المسؤولة عن سجن نبيل القروي، ورسالة هذا الأخير لراشد الغنّوشي حملت معاني التوعّد والتّهم الصريحة في علاقة بالاغتيالات والجهاز السرّي، أضف إلى ذلك أنّ إحدى القوى الخمسة الأولى في البرلمان، ممثّلة في الحزب الحر الدستوري، بنت خطابها على معاداة القوّة الأولى ممثّلة في حركة النّهضة؛ وبالتّالي نحن إزاء تنافر بين القوى الثلاثة الكبرى المتصدّرة للمشهد البرلماني، وهو ما يقودنا إلى استحالة إمكانيّة تشكيل حكومة وحدة وطنيّة حقيقيّة بمشاركة واسعة.

سيناريو حكومة تكنوقراط أو كفاءات

حكومة الكفاءات كانت الملجأ الكلاسيكي والحلّ لأغلب الأزمات المماثلة التي مرّت بها البلاد، حكومة الباجي قايد السبسي في 2011، وحكومة المهدي جمعة، لكن المزاج الشّعبي يقيّم هاتين التجربتين سلبيًّا، ومرحلة الانبهار بالكفاءات ذات السير الذاتيّة الحافلة، وانتداب الكوادر المقيمة بالخارج، انطوت ولم تعد موضة؛ فأداء هذه الحكومات لم يتميّز، وكان أقرب لأداء حكومات تسيير الأعمال، إضافة لعدم فهم أعضاء هذه الحكومات للواقع التونسي، بينما يرى المزاج الشّعبي أن البلاد تحتاج إلى تغيير، وإلى من يقود المرحلة ويتحمّل المسؤوليّة السياسيّة، زد على ذلك حركة النّهضة متشبّثة – ما يفهم من خطاب القيادات- بممارسة الحكم هذه المرّة، وعدم التّفريط في رئاسة الحكومة، وتصرّ على أن تكون الحكومة سياسيّة.

سيناريو التّصويت لصالح الحكومة دون المشاركة في الحكم 

عبّرت الأحزاب الفائزة على غرار التيّار وحركة الشّعب عن استعدادها للتّصويت لصالح حكومة تقودها النّهضة، لكن دون المشاركة الفعليّة في الحكومة، باعتبار أنّها ترفض الدخول في تحالف «شكليّ» مع حركة النّهضة، دون القدرة على ممارسة حقيقيّة للسّلطة، وما ينتج منه من تحمّل لمسؤولية سياسيّة دون أدوات حقيقّية للتغيير، هذا السيناريو يضع حركة النّهضة أمام فرضيّة صحيح أنّها تخلّص البلاد من أزمة تشكيل حكومة في الآجال القانونيّة، لكن ستفتح الباب أمام أزمات متعدّدة خلال العهدة الممنوحة لها، ممارسة الحكم دون كتلة برلمانيّة واسعة تسند الحكومة مجازفة كبيرة تضعنا أمام حكومة غير مسنودة، تعرّض كلّ قراراتها لخطر عدم التصديق وعدم التّصويت عليها في البرلمان، حكومة تحت تهديد سحب الثّقة في أيّ أزمة قد تحصل، التغيير والممارسة الفعليّة للحكم لا تحتاج فقط إلى 109، بل على الأقلّ إلى كتلة من 130 نائبًا، وهو ما استوعبه المرحوم الباجي قايد السبسي، حين أصرّ على التحالف مع حركة النّهضة، وبالتّالي هذا السيناريو يعد مجازفة لا أتوقّع أن تخوضها حركة النّهضة.

سيناريو تجاوز الآجال القانونيّة وتكليف شخصيّة وطنيّة بتشكيل الحكومة 

اختيار شخصيّة وطنيّة لا تنتمي بالضرورة للحزب الفائز في الانتخابات التشريعيّة، من السيناريوهات المطروحة بقوّة في ظلّ هذا المشهد، هذا السيناريو الذّي يعبّر عن فشل لمكوّنات البرلمان في حوار يجنّب الدّولة التونسيّة الفراغ وأزمة سياسيّة في ظلّ رهانات عاجلة، على غرار التصويت على قانون الماليّة لقانون 2020، هذا الفشل سيُعد دعوة على طبق من ذهب للرّباعي الراعي للحوار لمحاولة إدارة هذا الحوار أوّلًا، وبالطبع محاولة التّأثير في اختيار هذه الشخصيّة البرلمانيّة.
هذا السيناريو يعد مفضّلًا عند جزء مهمّ من البرلمان؛ فهو يجرّد حركة النهضة من رئاسة الحكومة، وهو شرط من شروط التيّار الديمقراطي للدخول في حكومة، هو انتصار لقلب تونس، باعتبار الانحياز الواضح لاتحاد الشغل، واتحاد الأعراف لهذا الحزب، وكذلك حرمان النهضة من رئاسة الحكومة، يعد إنجازًا بالنسبة للحزب الدستوري الحر كذلك.
حركة النّهضة من الممكن أن تجد صعوبة في رفض هذا السيناريو وتحمّل مسؤوليّة تواصل الفراغ والأزمة في البلاد، كما أنّ طبيعة هذه الحركة لا تميل إلى الخروج عن خطّ التوافق الوطني، ولا ترفض التضحية بالسلطة في سبيل تجنّب الأزمات، ولنتّفق أنّ هذا الخيار سيكون محلّ رضاء دولي سيترجم إلى ضغوط على كافّة الأطراف السياسيّة، وأبرزها حركة النّهضة من أجل القبول به.

سيناريو إعادة الانتخابات 

هو فونتازم العديد من المحلّلين السياسيّين حاليّّا، ولكن لا يبدو أقرب السيناريوهات، فلنتّفق أنّنا إزاء واقع تمّ فيه ترذيل العمليّة السياسيّة إلى أبعد الحدود، وضع كلّ القوى السياسيّة أمام التّشكيك وعدم الثّقة، وهو ما ترجمته نسبة العزوف الكبيرة في الانتخابات، وإعادة الانتخابات ستكون الضّربة القاضية في هذا الإطار، وهو ما سيبعث رسالة تؤكّد عبثيّة الفعل السياسي في تونس وعدم جدّيته.

و لكن في ظروف مستقرّة عاديّة هذا هو السيناريو العادي والصحّي فالعمليّة السياسيّة تفترض حاكمًا ومعارضًا تفترض طرفًا مسؤولًا تقع محاسبته بعد انتهاء تكليفه، وفي أغلب الديمقراطيّات الأحزاب التي تجد نفسها في موقع حركة النهضة الحالي هي من تطلب بنفسها إعادة الانتخابات، وترفع شعار التّفويض الأكبر والصريح الذي يخوّل لها تطبيق برامجها بأريحيّة وفي أغلب هذه التجارب تنجح هذه الأحزاب في حصد أغلبيّة مريحة، ولكنها تُحاسَب بشدّة أكبر في المحطّات التالية، ولنستحضر معًا مثال حزب العدالة والتنمية التركي، حينما طالب بإعادة الانتخابات لنيل أغلبيّة تخوّل له تعديل الدّستور، ونجح في ذلك، ولكن في المحطّة التالية خسر الانتخابات البلديّة رمزيًّا، من خلال خسارة بلديّة إسطنبول.

كلّ هذه الاحتمالات وفرضيّات حصولها تتعلّق أساسًا بطريقة قيادة الحزب الأوّل الفائز للحوار مع باقي القوى السياسيّة، وحسن قراءته لأولويّات المرحلة والاتّعاظ من دروس الائتلافات السّابقة في 2012 و2014، ولنقل أنّه أوّل اختبار جدّي للحركة في عهدتها الجديدة، سيعد مؤشّرًا لمعالم المرحلة المقبلة وملامحها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد