«محمد البوعزيزي» شاب من تونس يملك عربة لبيع الخضر والفواكه، قامت السلطات البلدية بمصادرتها. وفي يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 أقدم محمد على إضرام النار في نفسه احتجاجًا على رفض السلطة لشكواه ضد الشرطية التي صفعته قائلة «Dégage»، لتنطلق حركات احتجاجية منددة بما حدث وتتصاعد وتيرتها حاملة كلمة «Dégage» شعارًا ضد نظام الرئيس زين العابدين بن علي.

كانت حادثة البوعزيزي القطرة التي أفاضت كأس الاحتقان على الأوضاع في تونس من انتشار للفساد، وركود اقتصادي، إلى سوء الأحوال المعيشية والتضييق السياسي والأمني، بالإضافة لعدم نزاهة الانتخابات. هذه الأسباب كانت مشتركة في كل الدول العربية، ما جعل شرارة الانتفاضة الشعبية تنتشر لتشمل كلًّا من «مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، والسودان» فيما سُميَ بـ«الربيع العربي» لاحقًا.

أُسقطت الأنظمة في «تونس، مصر، ليبيا، اليمن والسودان»، وأُسقط حلم الشعوب في التغيير معها ولم يتحقق، ففي:

· مصر: انتقل الحكم من حسني مبارك إلى عبد الفتاح السيسي في نظام أكثر استبدادًا بعد انقلاب دموي نتج منه تضييق أكبر، وفساد أعظم.

· ليبيا: انتقل الصراع من محلي بين الشعب ونظام معمر القذافي إلى صراع دولي بوكلاء محليين، حفتر يمثل الجهة غير الشرعية (الانقلابية) مدعومة في الخفاء من مصر، الإمارات ودول أخرى، ومن جهة ثانية فايز السراج بحكومته المعترف بها دوليًّا والمدعومة من تركيا. اليمن: هي الأخرى أيضًا أصبحت ساحة لحرب دولية بين السعودية، الإمارات، وحلفائهم فيما يعرف بـ«عاصفة الحزم»، والحوثيين مدعومين من إيران.

ووسط كل هذه الخيبات صنعت تونس الاستثناء بنجاحها في المرور من اختبار الانتقال الديمقراطي إلى مضمار التدافع والتنافس السياسي في إطار ديمقراطية فتية، بالإضافة للسودان التي تمر بمخاض عسير لتحقيق الانتقال المنشود. ليبقى السؤال المطروح وسط هذه التجارب: ما الذي جعل ثورة تونس الاستثناء العربي في الثورات ؟

بين التغيير والإسقاط

بعد دراسة التجربة في تونس أعتقد أن المصطلح الأنسب الذي يجب أن يطلق عليها –التجربة- هو «تغيير النظام» وليس «إسقاط النظام»؛ فما حدث بالضبط هو إرغام النظام وإشراكه في معادلة الانتقال بدل إقصائه، مثل ما حدث في مصر وغيرها من تجارب الشعوب، حيث عمل كل الفاعلين في الساحة السياسية من شخصيات، أحزاب، نقابات وحركات من مختلف التيارات والتوجهات على الاجتماع وتشكيل خارطة طريق، يسير فيها الوطن بمرافقة الجميع على قدر متساوٍ من الحظوظ دون تهميش أو إقصاء لأي طرف، فتمثل هذا الانفتاح على الجميع في:

قيادة فؤاد المبزع للدولة: كان رئيس مجلس النواب في نظام بن علي السابق.

تعيين محمد الغنوشي رئيسًا للحكومة الانتقالية الجديدة: كان رئيسًا للحكومة لمدة طويلة في فترة حكم المخلوع بن علي.

مشاركة وزراء من النظام في حكومة محمد الغنوشي، ثم الحكومة التي أعقبتها برئاسة الباجي قايد السبسي، الذي تقلد مناصب وزارية متعددة في عهد الحبيب بورقيبة.

هذه المظاهر عُبر عنها في الوسط السياسي التونسي بـ«التوافق»، التي وصفها راشد الغنوشي بـ«الكلمة السرية»، كما عبر آخرون عن التجربة بـ«الاستثناء التونسي». حدث هذا لوعي أطراف الساحة بحقيقة الوضع، وأن معادلة الانتقال الديمقراطي تشبه تمامًا المعادلات الكيميائية، إذا لم تأخذ كل القوى حظوظًا متساوية ستفسد المعادلة، ويصبح من المستحيل إنتاج حل عن طريقها. والإقصاء نوع من الظلم الذي ينتج ردة فعل غاضبة عند أذرع النظام السابق في حالات، أو خائفة من المحاسبة كونها جزءًا من المشكل في حالات أخرى، تُفقد للمعادلة أهدافها من كونها معادلة قابلة للخروج بحلول إلى معادلة عقيمة، أو حتى ربما تعكس الأهداف من الإصلاح إلى السقوط الكامل لمعاني الديمقراطية، فتتغلب القوة المهمشة، وتعود بنزعة انتقامية بدل الانتقالية، ويتحول الحكم الشمولي إلى حكم شمولي ومستبد أيضًا، يأتي بكل أنواع التضييق وإسكات صوت المعارض.

فيما لو أن صوت «التسامح السياسي»، إذا صح المصطلح، كان الأعلى وتغلب صوت الوفاق والتوافق، واجتمع أطراف الحل مع أدوات المشكلة ورسموا طريق التغيير، وساروا على هذا الطريق بحسٍ من المسؤولية والوعي السياسي؛ لأنتجوا الانتقال الديمقراطي السلس، الذي يجنب الدولة الانهيار وينأى بالشعب عن ويلات التبعات.

إن اللجوء للتوافق السياسي ليس خيارًا بل حتمية فرضها تغلغل أدوات الفساد للأنظمة (الشخصيات السياسية والأمنية) في مفاصل الدولة، لأنه من المستحيل القضاء على كامل وجوه وممارسات دامت عقود من الزمن، إلا إذا فقدت الدولة شكلها كاملًا، وأعيد تشكيلها من جديد، هذا ما يعد ضربًا من الخيال في وقت وجيز، ومرحلة تسمى مرحلة انتقالية.

لهذا تمثل ثورة تونس الاستثناء؛ فقد صنعت الانتقال الديمقراطي الكامل والوحيد إلى الآن كنتيجة لثورة من ثورات الربيع العربي. وهنا يتجلى المعنى المراد بـ«تغيير النظام بدل إسقاطه»؛ يعني أن تكون قوة النظام جزءًا من صناعة الانتقال بالتوافق مع قوة المعارضة، فالثورات والثورة التونسية لم تستطع إلا إسقاط واجهة النظام المتمثلة في الرؤساء «بن علي»، واستعملت أدواته لتحقيق التغيير المراد وسط جو من الحوار والتقبل، بعيدًا عن مظاهر الإقصاء التي عادت على دول أخرى بالخراب والدمار.

دور الثورة في التجربة التونسية

ثورات الشعوب هي التي تصنع الساحة الحقيقية والعجينة الأولى لإحداث الانتقال الديمقراطي، فالسير نحو الانتقال لن يكون أبدًا دون حصول الرفض الشعبي الذي يمثل الشرعية لقوى المعارضة، والقوة التي تضغط بها على النظام فيقدم التنازلات ويفتح باب الحوار والوفاق، هنا جاء دور الوعي السياسي للمعارضة التونسية التي استثمرت رفض الشعب وقادته إلى الحوار بورقة الضغط الرابحة.

صحيح أن الشعوب تمثل قوى حقيقية لإسقاط وقلب الموازين السياسية في أي دولة، لكنها لم تكن يومًا قوة كافية لصناعة نظام جديد، بل هي مساعدة من جهة للمعارضة، وضاغطة على النظام من جهة أخرى، فتقبل المكاسب من تنازلات هذا الأخير دونما إلغاء لقوته التي قد تفسد اللعبة كليةً.

ففي مصر أخفقت تجربة الإخوان والشعب عامة؛ بسبب إهمالهم لقوة النظام والانسياق نحو لعبته (الانتخابات)، والفوز بها عن طريق حشد الناس والدخول بهم في غمار معركة حسب ظنهم هم القوة الوحيدة الفاعلة فيها، فاصطدموا بحملات من التشويه والدعاية، ثم انبعاث قوة النظام من جديد لتهدم كل أحلام الإخوان من جهة، والشعب من جهة أخرى في التغيير.

بعد كل هذا السرد للأحداث يمكنني أن أقول إن الانتقال الديمقراطي الذي لا يأتي وفق توافق وتنازل من كل الأطراف، ووفق خارطة طريق ومدة طويلة من النضال، ستكون عواقبه وخيمة؛ لأنه لا يمكن أبدًا تغيير نظام بإلغائه، أو المشاركة في انتخاباته بحكم أن الانتخابات هي لعبة وسلاح النظام، ومن الأكيد أنه لن يعطيك سلاحّا يقتله وهو يشاهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد