من البديهي أن نعترف بتوغل الفساد في العالم كمعضلة عطلت توطين الشفافية والنزاهة، لكن تكمن الخطورة الحقيقية في قيام الحكومات عليه ومحاولتها لتبييضه. تشهد تونس وضعًا مماثلًا باعتراف الجميع، حيث اتخذ الفساد مسارًا جديدًا منذ الإعلان على الجمهورية الثانية وأضحى ممارسة علنية في السلطة السياسية تقوده تعيينات قائمة على المحسوبية والمنسوبين والولاء وذوي القرابة.

في ظرف سنوات من الثورة أشبعتنا الحكومات خطابات رنانة من قبيل «ناقفو لتونس» مع كلام معسول عن الفضائل في الوقت الذي تعجز السلطة فيه عن تقديم إستراتيجية واضحة لإصلاح الأوضاع. فمحاربة ماكينة الفساد باستباناتها تتطلب بناء جديدًا لإعادة إنتاج الخراب الذي نخر جسد تونس المريضة عبر آليات كالتعويل على الإمكانيات الذاتية وتكوين تعاونيات اقتصادية في المناطق الداخلية للتقليل من اللامركزية وتهميش الجهات، لكن الواقع يبين ذاك النفور والهروب من المواجهة ومن تحمل المسؤولية.

إن الاقتصاد التونسي على مشارف «الإفلاس»، فلا يفصلنا عن الهاوية إلا عدة خطوات وتفسير تعمق هذه الأزمة هو الاستمرارية بين النظام البائد والأنظمة التي تلتها، فلم يكن الفساد وليد اليوم بل هو نتاج تداول السلط التي عمقت الأزمة باتباع مسار لا هيكلي للتسيير الحكومي والإداري والاقتصادي والاجتماعي بغطاء من الغبار شكلي مدعوم بشبكة علاقات لا شكلية وعشوائية، ليصبح النظام السياسي الخادم الأول للفساد والمتورط به والأمثلة عديدة.

لو دققنا النظر في التجربة اليونانية واستتباعاتها لوجدنا نقاط التشابه بينها وبين التجربة التونسية، ومن شأن ذلك أن يأخذ الحكومة لاستخلاص العبرة وإعادة حساباتها لتجنب السقوط في نفس الفخ, فتداعيات تكديس قروض خارجية لأهداف تنموية أدت إلى «إفلاس» اليونان, دون أخذ الاعتبار لوضع  خطة أو إستراتيجية للوفاء بديونها مع القبول بشروط صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي المتدخلين في المنظومة الاقتصادية بفرض اتباع سياسة التقشف على البلد المقترض، فتكون العملية دائرية تبدأ بالاقتراض وتنتهي بـ«الإفلاس» ليكون المواطن البسيط رهينة البنوك الدولية، فقد بلغ حجم الديون الخارجية لتونس ما يقارب 30 مليار دولار أي حوالي نصف الناتج الإجمالي الخام، ويختصر هذا الرقم قيمة الأموال التونسية المنهوبة التي أضعفت الميزانية التونسية كما أن  عدد القروض أصبحت لا تحصى ولا تعد، فلتأمين المخطط الخماسي للاستثمار لتمويل المشاريع المبرمجة ضمن ما عرف بالمخطط التوجيهي للتنمية 2016-2020 تم برمجة طلب اقتراض قيمته 20 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي أي ما يعادل 44 مليار دينار.

ضبابية القرارات لم تمكن المواطن التونسي من التماس إستراتيجية للمرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد إلا ما تعلق بخطاب الشاهد أو تصريحات بعض الوزراء، فهذه السياسة الفاقدة لخطة واضحة والمنحازة نحو التقشف أو بالأحرى «شد أحزمة البسطاء» الذي لا يرادف الحد من الكماليات والامتيازات التي يتمتع بها المسؤولون والتي تكلف خزينة الدولة أموالًا طائلة, وعدم مراعاة الوضعية المادية للدولة بحكومة تسير بـ40 حقيبة وزارية وتحد من انتظارات المواطن الذي يشتكي من البطالة وغلاء المعيشة والفقر والتهميش ومهدد بالتسريح في أي وقت.

إن الرؤى السياسية التي بسطها الشاهد بتوليه رئاسة الحكومة تنذر بالخطر على القطاع العمومي بتوجيهه نحو الخصخصة لتحفيز النمو، فبدل توفير الحماية للمؤسسات الوطنية يقع التفويت فيها تدريجيًا ليتوغل الإهمال والتخلي على مكاسب الدولة. فتوغل الفساد في مختلف القطاعات لم يكن نتاج التمويلات المشبوهة والرشوة واستعمال النفوذ فقط بل كان نتاج إهمال السلطات المعنية لمهامها وأخذ زمام الأمور.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفساد, تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد