1- الثورة والديمقراطية: ماذا يعني أن تكون ديمقراطيًّا

أن تكون ديمقراطيّا هو أن تقبل التنوع والتعدد داخل المجتمع، ما دام خارج إطار العنف وفي نطاق التدافع السلمي للآراء والرؤى والأفكار. ففي فضاء ديمقراطي حقيقي تتنافس المواقف والرؤى مهما كانت حتى أكثر الآراء تطرفًا يسمح لها بالحضور داخل الفضاء العام؛ ليتم مناقشتها ودحضها عقليّا لا عبر العنف اللفظي أو المادي؛ فالديمقراطية تتميز بالقدرة على ابتلاع كافة المواقف، ومنعها من أن تتحول لسلاح هدام للفضاء العام بمنعها من أن تنحرف نحو العنف أو أن تستخدم العنف؛ فداخل المؤسسات الديمقراطية القائمة بطبيعتها على التنوع تناقش وتحاور كافة الآراء والأفكار والمذاهب العقلية أو الدينية أو غيرها، في إطار العقل لا خارجه. فأن تكون ديمقراطيًّا يعني أن يكون لك القدرة على مجادلة ومحاورة ومناظرة ومناقشة الجميع مهما كانت مواقفهم بعقلك لا بيدك أو بيد الدولة التي تريدها؛ أن تتحول نحو الطغيان حتى تفرض من خلال مؤسسات القوة فيها على الكل أن يكونوا متشابهين أو بالأحرى أن يشبهوك أنت. فأن تريد الجميع نسخة منك فأنت لا علاقة لك بالديمقراطية، بل مجرد طاغية يرتدي زورًا لباس الديمقراطية وما أكثر هؤلاء في تونس.

هناك دعوات في تونس للرئيس بالعودة للفصل 80 من الدستور للانقلاب على الشرعية الدستورية بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وهي دعوات تكشف عن جهل السياسيين التونسيين بدستور بلادهم؛ فلو تأملوا قليلًا في نصوص ذلك الدستور وفي هذا الفصل بالذات لوجدوا أنه ينص صراحة على منع حل المجلس، وسحب الثقة من الحكومة القائمة لحين زوال أسباب حالة الخطر الداهم التي يتحدث عنها الفصل 80:

لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب.

ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مُضيّ ثلاثين يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهَد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.

ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانًا في ذلك إلى الشعب.

فالفصل ينص صراحة أنه: لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

فلو تأملوا قليلًا لأدركوا أن الحل الوحيد الدستوري الذي يسمح بحل البرلمان موجود في الفصل 97 عبر لائحة اللوم أو طلب سحب الثقة، والتي تشترط التصويت في الجلسة نفسها على الحكومة الجديدة أو من خلال الفصل 98 عبر استقالة رئيس الحكومة أو من خلال الفصل 99 الذي يفترض طلب الرئيس التصويت من مجلس نواب الشعب على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها مرتين على الأكثر خلال المدة الرئاسية كاملة، ولكن هذا الفصل سلاح ذو حدين؛ لأنه قد يؤدي في صورة فشل ذلك إلى استقالة الرئيس نفسه: في حالة تجديد المجلس الثقة في الحكومة، في المرّتين، يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلًا. تلك هي الحلول الدستورية، وغير ذلك مجرد دعوات للانقلاب لا علاقة لها بالديمقراطية والدستور يشرع لها من شرعوا الاستبداد طيلة 23 سنة في تونس.

2- الثورة والعنف: الانتصار للفساد

أثناء جلسة تنقل مباشرة على التلفزة الوطنية التونسية شاهد الجمهور التونسي مشهدًا آخر من دراما مجلس النواب، التي تحولت لأهم دراما تونسية معاصرة، يتفنن فيها الجميع بداية من النواب وصولًا إلى المصور التلفازي والمخرج الذي يوجهه خلف الشاشة، ولا يجب أن ننسى الغرف المغلقة التي تحرك كل هذه الدراما ونحن على مشارف الاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة التونسية التي غيرت وجه المنطقة العربية بصورة دائمة.

ماذا يريد هؤلاء للشعب التونسي؟

حين نتأمل تاريخ الثورات التي حدثت في مسار الحضارة الإنسانية نشهد حضورًا مكثفًا للعنف، ولم يكن بإمكان تلك الثورات أن تحققها أهدافها دونه وهو الأمر الذي حصل في الثورتين الفرنسية والروسية. ولكن الثورة التونسية امتازت بأمرين: غياب القيادة وانعدام الحاجة للعنف لتحقيق أهدافها. ولعل الميزة الأولى هي التي دفعت الكثيرين لادعاء قيادتها وامتطائها في الطريق وهو ما يسر الانحراف بها عن أهدافها الحقيقية وهما هدفان واضحان: بناء دولة ديمقراطية أساسها الحرية والمساواة أمام القانون تعيد السيادة للشعب وتحقيق تنمية عادلة تضمن الكرامة للجميع، وتحقق العدالة الاجتماعية من خلال القضاء على أخطبوط الفساد الذي تشكل ونما خلال الحكم الاستبدادي لتونس وتغول بعد الثورة بسبب السياسيين الفاسدين الذين امتطوها. ولتحقيق تلك الأهداف اختار الشعب التونسي أن يناضل ويقاوم سلميًّا حتى أجبر الديكتاتور على المغادرة وأجبر أنصاره على الانسحاب من الحياة العامة والاكتفاء بالفرجة من بعيد ولكن إلى حين. ويعتبر ختم الدستور التونسي يوم 27 يناير (كانون الثاني) 2014، نهاية هذه المرحلة الثورية وبداية الدخول في تحقيق الأهداف المنشودة للثورة التونسية ولكن تجري الرياح بما لا يشتهي الشعب؛ فمنذ انتخابات 2014، وتونس تعيش في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والخراب الاقتصادي والفوضى العارمة اجتماعيًّا بانتشار الجريمة والفقر والتداعي الحر للقدرة الشرائية للمواطن التونسي، الذي لم يعد قادرًا إلا على ضمان قوت يومه. تلك هي الحال التي لا تجد من يبصرها في مؤسسات الدولة الأصلية والفرعية؛ فلا نواب المجلس ينظرون بعين الرحمة لمن انتخبوهم ولا مؤسسة الرئاسة خرجت من جبة الأستاذ المحاضر لتدخل مرحلة الأستاذ الفاعل إيجابًا لا سلبًا عبر توحيد الجميع حول الوطن أولًا وأخيرًا.

إن ما يحدث في مجلس النواب من عنف بدأ لفظيًّا منذ أول جلسة للمجلس إلى أن تحول ماديًّا في الجلسة الأخيرة؛ دليل على أن من انتخبهم الشعب وفوضهم للاهتمام بهمومه، لا همّ لهم إلا مصالحهم ومصالح القوى التي تحركهم جميعًا دون استثناء؛ ذلك أنه لا أحد بريء في هذا المجلس ولا أحد على حق؛ فالكل يريد بها باطلًا كلمة الحق، ولا يريد بها الحق. إنهم بيادق للقوى النافذة التي تدير اللعبة من خلف الستار وتحرك كافة الدمى والبيادق هنا وهناك، وهؤلاء جميعًا يريدون أن يدفع الشعب ضريبة طموحه نحو الحرية والتحرر، ويسعون- كلّ حسب جهده- لدفع البلاد نحو الهاوية بكل الطرق والوسائل. هاوية العودة للاستبداد وكل واحد منهم يمني نفسه أن يكون الديكتاتور الجديد من عشيرته وملته حتى يبيد الملة والعشيرة الأخرى. لقد ازدادت حمى الدفع نحو الهاوية ومعاقبة الشعب الذي حين اختار الرئيس قيس سعيد بتلك النسبة الضخمة إنما اختار أمرين أساسيين: الحرية وإنقاذ الدولة من الفساد وهي الوعود التي أطلقها الرئيس في حملته، وحتى اليوم لم يسعَ في طريق تحقيق أحدهما. فالحرية مهددة والفساد يزداد سطوة حتى أصبحت كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والإعلام فاسدة. إنه الفساد المعمم. إن ما حصل من عنف داخل المجلس إنما هو عنف مبرمج للوصول إلى هدف واحد يخطط له منذ مدة؛ دفع الرئيس للانقلاب على الديمقراطية أو دفع أي مغامر في الجيش أو الأمن للقيام بذلك واضعين أنفسهم في خدمته مثلما خدموا من سبقوه من الطغاة في تاريخ تونس المعاصر؛ فالنخبة التونسية نخبة تزدهر في زمن الاستبداد والتبعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد