هو الليل الجاثم على صدور الثكالى والأيامي. هو السواد المستمد من ظلمة الليل المتهادي على أعين الضحايا. هو الليل، هي الظلمة، هو السواد، بل هو التاريخ الكسيح المشوه بعد خلقه، هي الذاكرة، بل هي جزء مما ترك السبع مدنسة بوحل الهروب إلى الأمام المجهول.

هو ذاك الواقع والحاضر بعدما كان ماضيًا بغيضًا. إن الأحلام والانتصارات تكاد تتلاشى وتغيب أمام أعين شباب الأمس كهول وشيوخ اليوم. يفركون لحىً بيضاء بأصابع شارفت على الانحناء، يتحدثون صبابة على أنغام التوتر حينًا، والتشنج فيما بقي. وتقاسيم وجه تغيبه كثرة التجاعيد.

يتحدثون بهمسهم ولمسهم عن وطن زمن الضياع عن شباب ما وطأة قدماه شوارع المدينة. عن أحلام حنطتها آلة القمع ووضعتها على الرفوف داخل السراديب، تخالهم يتحدثون عن السراب.

يحدثونك والاحمرار وجلًا يعلو محياهم، والدمع يذرف على مقلة أنهكها النحيب.

تستمع لهم، ثم تستمع؛ لتلعن الأحلام الساهرات، والشوارع الباغيات، والحب في مملكة العاهرات، تخفض جناحك تحني رأسك، فجأة يهزك الحنين عند سماع انبلاج الصبح في سمائهم ذات مساء من شتاء 2011 حتى إذا رفعت رأسك رأيت، ثم رأيت بسمة النور تلوح من الأفق البعيد عندها تحس وتدرك انتشاء الضمان بعد الارتواء. فجأة طلقوا التعاسة والشقاء وغدو يحدثونك عن الحرية عن الكرامة عن حياة وليدة من رحم الغصة والعناء.

كانت الطموحات كبيرة والانتظارات أكبر، ثم تخفت الحماسة. يتكسر الشموخ على أعتاب مفاصل الجمهورية الوليدة: إدارة، جمعيات، هيئات، أحزاب. هم ضحايا الاستبداد لايزالون مكانهم ينزفون دمًا وألما بعدما استفاقوا من غيبوبة السنين.

بين المصالحة الاقتصادية والمصالحة الشاملة ومسار العدالة الانتقالية ازداد الخوف والتوتر بين هؤلاء خشية الاستفاقة عند الصباح من أحلام وردية تخللتها أعداد وإيداع ملفات فجلسات استماع سرية وأخرى علنية وبحث وتقصي، وصبر يتمنون أن يكون جميلًا.

هم لا يتقاطعون ذاتيًا مع كل تلك المبادرات والمسارات باعتبارهم ضحايا، إلا في زاوية جبر الضرر. هم واثقون ومقتنعون أن ليس لديهم ما يبيعون فنضالهم ملك للمجموعة الوطنية يمثل وعيها وذاكرتها كما أنهم لا يطلبون دية باعتبارهم لم يسبق لهم أن أعاروا الدولة جمل حرث وقتلته عند الساقية.

فقط جبر ضرر لمواصلة الحياة وهذا موكول فقط لهيئة الحقيقة والكرامة في تونس دون سواها، وبالتالي فعليها البحث والتقصي وتحديد الأضرار ومعايير جبر الضرر وتاريخ تنفيذه حسب ما جاءت به القوانين خاصة.

القانون الأساسي للعدالة الانتقالية

الفصل 11 ـ جبر ضرر ضحايا الانتهاكات حق يكفله القانون والدولة مسؤولة على توفير أشكال الجبر الكافي والفعال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية. على أن يؤخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ. جبر الضرر نظام يقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج ويمكن أن يكون فرديًا أو جماعيًا ويأخذ بعين الاعتبار وضعية كبار السن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة.

الفصل 12 ـ توفر الدولة العناية الفورية والتعويض الوقتي لمن يحتاج إلى ذلك من الضحايا وخاصة كبار السن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة دون انتظار صدور القرارات أو الأحكام المتعلقة بجبر الضرر.

الفصل 13 ـ تتكفل الدولة بمصاريف التقاضي في كل قضايا حقوق الإنسان على معنى هذا القانون لفائدة الضحايا وذلك في نطاق القوانين المتعلقة بالإعانة العدلية والإعانة القضائية أمام المحكمة الإدارية.

النظام الداخلي للهيئة

الفصل 61 – تختصّ لجنة جبر الضرر وردّ الاعتبار بـ:

– تحديد قائمة في الضحايا الذين لحقهم ضرر جرّاء تعرّضهم لانتهاك على معنى القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 وخاصة الفصل 10 منه والقانون الأساسي عدد 17 لسنة 2014 المؤرّخ في 12 جوان 2014 ،

تقييم الضرر المادّي والمعنوي الذي لحق بكل ضحيّة طبقا لأحكام الفصلين 11 و39 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرّخ في 23 ديسمبر 2013 ،

– تحديد طبيعة الأضرار وطرق الجبر والتعويض مع مراعاة التقديرات المخصّصة للتعويض وطبقا للمساهمة المتأتية من صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد.

– تحديد الوسائل والآليات التي تكفل جبر الأضرار وردّ الاعتبار لضحايا الانتهاكات والاستبداد.

– تحديد أشكال الاعتذار الواجب تقديمه إلى الضحايا سواء من قبل الهياكل العمومية أو من قبل الأشخاص.

– تحديد الوسائل والآليات التي تكفل إعادة تأهيل الضحايا وإدماجهم.

– اتّخاذ إجراءات إحاطة وتعويض وقتية وعاجلة للضحايا.

فهل لهذه الهيئة رزنامة واضحة في هذه النقطة بالذات علها تهدئي من روعهم في زمن التجاذبات وتضيف الزيت إلى الفتيل ليواصل ضوء حتى انبلاج الصبح في ظلمة ليل طالت سنواته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد