المتابع للشعر العربي والمدمن على قوافيه سيتفطن دون -دليل إلكتروني- إلى أن عنوان هذه المقالة مستوحى من بيت للشاعر ابن الوردي (691هـ – 749هـ) يقول فيه «واطرح الدنيا فمن عاداتها .. تخفض العالي وتعلي من سفل».

إنها من أعجوبات الشعر العربي القديم ومعجزاته أن نجد لكل واقعة نحياها بيتا ينصفها الوصف أيّما إنصاف، بل كأنه نظم لأجلها، لعله وضعنا الذي لازم الركود هو الذي جعل منا نستورد القديم لنسقطه على الجديد، ناهيك أنّ القديم قادر ببلاغة فائقة ونادرة على أن يكشف المعنى المراد بأقل الكلمات وأجملها، فكم من الكلمات تكتب في أيامنا هذه فتلوكها الألسن وتقلبها العقول في يومها دون أن يبقى من أثرها شيء في الغد، هذه مأساة أخرى نترك الحديث فيها لنتطرق لمأساتنا في تونس والتي لخصها ابن الوردي في بيته البديع. هنا في بلدنا إذا ما ارتفع المرء منزلة فلا ريب أن وراء ذلك مهزلة، ذلك هو المبدأ السائد الذي لم يطمسه رحيل النظام البائد.

فمع استهلالنا عصر الديمقراطية حسبنا أن الحال قد تغيّر وأن من لم تنصفهم دولة الاستبداد سابقا ستكرمهم دولة الثورة، ومن أهانهم –فيما مضى- النظام سيلقون من بعده خير مستقر ومقام. لكن الواقع كان غير ذلك تماما، فبقيت المناصب الرفيعة حكرًا على الفاشلين، حتى وإن حدث وأدركها من هو جدير بها تحركت ماكينات التدمير ومعاول الهدم لإزاحته واستبداله بمن هو دون رأيه وحكمته. تجلى هذا في كثير من الأحداث، فنحن من سحبنا البساط ذات يوم من تحت أقدام دكتور عُرف بنزاهته -رغم أخطائه السياسية- وجعلنا مكانه رئيسا لا يتقن غير تقمص شخصية من زعموا كذبا أنه زعيم ومؤسس للدولة الوطنية.

مخجل حقا أن يصل شخص إلى أعلى سلطة في الدولة بفضل نظّاراته، وحركات يديه وقسمات وجهه وبعض الخطب الجوفاء التي ورثها كلّها عن رفيقه بورقيبة، هذا لا يكون إلا في بلدنا؛ حيث لا نهتم بالمضمون بقدر اهتمامنا بالشكل، لا نهتم بالكفاءة بقدر اهتمامنا بالولاء، لا يعنينا المستوى التعليمي بقدر ما تعنينا قرابة الدم أو أيّة قرابة أخرى.

لذلك ترى الوضيع رفيعا مكرما، والرفيع وضيعا مهانا.

فنحن من نهجّر علماءنا ونوابغنا وندفعهم للرحيل حيث لهم أن يجروا بحوثهم ويصقلوا مهاراتهم ويبنوا أمجادهم ويكسبوا تقدير غيرهم، نحن من نتخلص كل سنة من المتفوقين في امتحان الثانوية العامة أو ما يسمى عندنا بالباكلوريا ونرسلهم إلى الغرب ليواصلوا تعليمهم بدعوى أننا نكرمهم ونحسن إليهم في حين أننا نتقي «شر» علمهم ونجاحهم.

نحن من فقّرنا الجامعة التونسية من نخبها حتى صارت في ذيل التصنيفات الدولية للجامعات، وأضحت مرتعا لكل أنواع الفساد، وصار الأستاذ الجامعي مجرد أسطوانة يكرر ما كتبه الغير دون جهد ولا اجتهاد.

نحن أيضا  من يسيطر على إعلامنا ويوجه عقولنا إعلاميون لم يدرسوا الصحافة ولا الإعلام  يوما في حياتهم ولا تخصصوا في غيرها من العلوم، بل إنّ بعضهم لم يتجاوز عقبة التعليم الثانوي ومع ذلك تراه اليوم يروج لنفسه على أنه أحد جهابذة الإعلام في بلدنا وأن برامجه المبتذلة هي الأكثر مشاهدة ومتابعة.

إن تركيبة النجاح في بلدنا تتكون من ثلاث صفات لا بديل عنها؛ أولها الجهل، فمن كان مثقفا أو له سعة من العلم فلا مكان له بيننا؛ لأنه سيشكل خطرًا على من يفوقونه مرتبة ومكانة وجلّهم من أنصاف المتعلمين ومزوري الشهادات العلمية.

الصفة الثانية المطلوبة هي الفساد، فأنّى لك أن تتقدم في المناصب إن لم تكن فاسدا؟ فلو كنت نزيها فأنت حتما ستحاول الإطاحة بكل الفاسدين من حولك وهذا خطّ أحمر لا يمكن تجاوزه، فإدارتنا ودولتنا عموما تتنفس فسادا، لذلك سيطاح بك سريعا ولن يذكرك أحد من بعد ذلك.

الصفة الأخيرة التي يجب أن تتوفر في الناجح هي التملق، وهي صفة قادرة  لوحدها على تعويض كل المواهب والمهارات، لها أن ترفعك في زمن قصير إلى القمة، كلّ ما عليك أن تقبل أياد قطعها أجمل من تلك القبل، أن تلعق أحذية داست على رقاب أهلك وشعبك، أن تكون متعتك التغريد لحكامك ورؤسائك وأبنائهم وزوجاتهم وخالاتهم وعماتهم.

هكذا ستكون مواطنا «صالحا» و«فالحا» وسيقدمونك في كلّ محفل وسيقنعون الناس بأنك من ستنقذهم من الطوفان ومن ستركبهم سفينتك المباركة لتعبر معهم موج البحر المتلاطم وترسو بهم على برّ الرفاه والسعادة والفردوس الأبدي.

ومن لم يكونوا مثلك، فلا داعي للحديث في أمرهم فإنهم حتما مغرقون، لأنهم في تونس، في بلد يخفض العالي ويعلي من سفل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد