ثورة الياسمين

ما يحدث الآن في تونس يتضح معه حجم المؤامرة على الشعوب العربية بتمويلات خليجية، ولا يهم إن كانت المؤامرة على رئيس الجمهورية، أو على رئيس البرلمان أو على حزبٍ معين او اتجاهٍ معين.

ولم تكن المشكلة في مصر هي دخول الإخوان المسلمين انتخابات الرئاسة، وفوز مرشح الإخوان المسلمين بمنصب الرئيس، ففي تونس تم انتخاب رئيس ليس له أيديولوجية واضحة ولا تاريخ سياسي، لكن تبين بعد ذلك أنه جزء كبير من مخطط يتم التحضير له بما يتناسب مع طبيعة المشهد السياسي في تونس.

رئيس منتخب يقود انقلابًا في المشهد السياسي التونسي، ويعمل على أن تكون تونس مثل لبنان في المشهد نفسه بكل تفاصيله.

تحترق الآن مقرات حزب النهضة في تونس، كما احترقت مقرات الإخوان المسلمين في مصر، يد الشيطان واحدة تعبث في مصير الشعوب العربية.

تخلى حزب النهضة في تونس عن رئاسة الجمهورية من أجل توحيد أطياف المجتمع التونسي، وتم التنازل عن الانتماء، من أجل تقويض المؤامرات، لكن الشيطان لا يثق، ولن يتخلى عن مؤامراته.

الحكاية لم تكن فشل جيل صنع من ثورة مصرية طريقًا نحو التغيير والحرية.

الحكاية صراع وجود بين القوى المتصارعة على التحكم في العالم، يقترب الصراع من نقطة المواجهة الحاسمة، وما يحدث الآن ليس فشلًا لقوى التغيير بقدر ما هو حلقة من حلقات الصراع.

سيخرج بعض الرجال عند وقت الخيانة من العسكر، ويقولون نصحناهم فلم يستجيبوا لنا، وسيخرج أصحاب العقول وينصحون الغنوشي بحمل السلاح في مواجهة المنقلبين.

وسيخرج أصحاب الشماتة يعلقون فعلًا سلميتنا أقوى من الرصاص تهكمًا وسخرية، ومن كانوا يباركون خطوات النهضة المتدرجة وتخليهم عن رئاسة الجمهورية، وتخليهم حتى عن الهوية من أجل استيعاب المؤامرة عليهم، وتقويض تلك الممارسات الشيطانية، اليوم ينقلبون على حزب النهضة، ويتهمونه بالليونة والعجز وعدم النضج السياسي، وتحلو لهم المقاربة والمقارنة بين الغنوشي وأردوغان لتعلو نبرة سخريتهم أكثر. أمثال هؤلاء يصلون إلى نتيجة مؤداها أن الإخوان المسلمين هم السبب في فشل الربيع العربي!

هؤلاء ليسوا أقل من الدبة التي تقتل صاحبها، وأمثال هؤلاء متواجدون في داخل الحركة الإسلامية وفي خارحها سواءً بسواء. الجميع يقفون على ناصية الحارة للتنظير ويركبون موجة الخبير السياسي الذي لا يشق له غبار، وتسوقه الأقدار نحو مساعدة الانقلابيين في الاستمرار في انقلابهم بكل أريحية. الآن اتضح صمود حزب النهضة لعشر سنوات مضت بعد تقديم كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة لتأجيل تلك اللحظة التي تأخرت لعشر سنوات، ويقيمون الحجة على مؤسسات الدولة التي لم يصطدموا معها يومًا ما. إذا تدخلت المؤسسة العسكرية لمساندة رئيس منقلب رغم عدم دستورية قراراته؛ فهذا يعني تساقط حجة استعداء المؤسسات في مصر، لأنه لم تكن هناك حالة استعداء بقدر ما كان هناك حالة تطهير وتنظيف لتلك المؤسسات.

نتمنى من المؤسسة العسكرية في تونس ألا تتلوث بتلك الجريمة وتنحاز إلى الدستور والشرعية. لم يتورط الجيش التونسي حتى اليوم في مواجهة مع الشعب التونسي، ولم يتورط في الدماء، وكان منحازًا دائمًا للشعب التونسي. لقد فعلت الحركة الإسلامية في الدول العربية كل ما تستطيعه من أجل الإصلاح والتغيير، وبذلوا وقدموا تضحيات لا يستطيع أحد تقديمها من أجل أوطانهم، وتعاطوا مع كل الأحداث بما يناسبها مكانًا وزمانًا وحالًا، لكن المشروع الصهيو-أمريكي يجد الخونة دائمًا، ولن يتراجعوا عن مخططهم، حتي لو تم تحييد الكتلة الإسلامية من كل الدول العربية، وعزلها سياسيًّا، سيكون مصير الشعوب العربية الاستعباد والاحتلال.

وإن الثورة في السودان تؤكد هذا الطريق حرفيًّا، بعد استبعاد الحركة الإسلامية فيها، هل تغيرت الأوضاع في السودان؟ لم يتبقَ من المشهد السياسي العربي غير صحوة الشعوب العربية تدافع عن حرياتها وتنزع حقوقها وتقف ضد المغتصب والخونة، بدلًا من التضحية بالحركة الإسلامية، ووضعها موضع الاتهام الأوحد رغم جهدها في التصدي لتلك المؤامرات.
والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لايعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد