بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، التي حُسمت لصالح «حركة النهضة» بأغلبية، أقلّ ما توصف بها أنّها هشّة، وأفصحت في الوقت ذاته عن فُسيفساء في المشهد السياسي، تُنبئ عن صعوبة الارتقاء بمطالب الشعب، والاستجابة لها من خلال الحكومة المنتظرة؛ صرّح أحد أشهر الإعلاميين في تونس قائلًا: «أنا ديمقراطي وراض عن نتيجة الصندوق، لكن أخشى فقط أن يكون الشعب التونسي قد عاقب نفسه».

لم تكن مجرّد كلمات عابرة، فبعد أشهر قليلة من الانتخابات لم يُقدّم للفرد التونسي أي مبادرات ملموسة سوى صراعات حزبيّة ضيّقة تُقدّم مصالحها الأيديولوجية والسياسية، على حساب مطالب شعبيّة تنتظر حلولًا لمشاكلها الاقتصادية و الاجتماعية، لترتقي بثورة الياسمين إلى حجم التطلّعات. هو ما يدفع الكثير من المراقبين للشأن التونسي للتساؤل، ما إن كان قرار الشعب التونسي، الذي عبّر عنه عن طريق الصندوق صائبًا؟ لاسيما بعد طلب الحبيب الجملي – المكلّف لتشكيل الحكومة – من طرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، كذا مرّة، مهلةً إضافيةً لتشكيل الحكومة، وإقراره مؤخّرًا بصعوبة إخراجها إلى النور.

تونس تنتظر

«تونس التي انتظرتنا جميعًا، لن تنتظرنا أكثر» بهذه الكلمات أطلق رئيس الحكومة المكلّف الحبيب الجملي، ناقوس الخطر خلال الندوة الصحافية التي عقدها يوم الاثنين المنصرم، ليعلن بذلك عن فشله في لمّ شمل الأطياف السياسية التي تمخّضت عن الانتخابات التشريعية، ويُعرب عن عزمه تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلّة عن جميع الأحزاب، بما في ذلك حركة النهضة ذات التوجّه الإسلامي.

قد يبدو هذا القرار من الناحية النظريّة الأنسب في الوقت الراهن للخروج في أقرب الآجال من حالة الاحتقان التي تعيشها تونس منذ الانتخابات، خاصةً وأنّه يتماشى مع مقترح الحزب الفائز بالأغلبية «حركة النهضة»، المخوّل لها دستوريًا تشكيل الحكومة.

لكن من الجانب التطبيق، قد يواجه عقبات، من شأنها أن تأزّم الوضع الحالي أكثر ممّا هو عليه، خاصة في ظلّ التجاذبات التي تشهدها الأحزاب السياسية في ما بينها. فقد اتضح أن دخول شقّ المعارضة، المكون أساسًا في الكتلة الديمقراطية «حركة الشعب و التيار الديمقراطي» في مشاورات لتشكيل الحكومة، كان مجرّد لعبة سياسية لإهدار المهلة الدستورية، والتوجه نحو حكومة الرئيس، التي كان يطالب بها الحزبان منذ ظهور نتائج الانتخابات.

هو ما يثبت أن أحزاب المعارضة التي رفضت المشاركة في الحكومة بعد مفاوضات عسيرة دامت شهرًا ونصف، لم تكن تملك ولا تزال أي نيّة للمشاركة أو التعامل مع الحكومة القادمة، ما دامت لحركة النهضة وقائدها بالأخصّ راشد الغنوشي، يدًا في طبخها. وبالتالي فمن المرجّح أن تُقابَل حكومة الحبيب الجملي، الذي يستعمل كل السبل لإثبات استقلاليته عن الحزب الذي رشّحه، بعدم منح الثقة البرلمانية، وحينها ستزداد غاية الاستقرار السياسي، تعقيدًا. إلّا في حالة التوصّل إلى صفقة، بين حركة النهضة وقلب تونس، تنهي جلّ الخلافات، وتركّز على البُعد الاقتصادي الذي يكاد يمثّل نقطة تلاقي بين الحزبين.

الإرادة الشعبية في مهبّ الريح؟

من جهة أخرى يطرح خيار التوجه نحو حكومة مستقلّة تساؤلًا جوهريًّا: ما جدوى الانتخابات التشريعية وما انبثقت عنها من برامج وخيارات أيديولوجية صوّت لصالحها الشعب؟ وبصفة أدق: ما محلّ الإرادة الشعبية التي حملت كل هذه الأحزاب إلى قبّة البرلمان؟ هو تساءل يصعب الإجابة عنه طالما، لم تأخذ هموم الشعب التونسي من البطالة والتشغيل، ومحاربة الفساد الذي جعل شريحة هائلة من الشعب تحت خطّ الفقر، عين الاعتبار.

فحتّى الرئيس الذي كان يُردّد كلّما سُؤل عن برنامجه ومدى فاعليّته: «الشعب يريد.. ويعرف ما يريد»، يبدو تائهًا ومضغوطًا باستقلاليته، وسط أحزاب متصارعة لغايات أيديولوجية ومكاسب سياسية بحتة. علاوة على أسهم الانتقادات التي بدأت تطاله، بسبب ممارسته الدبلوماسية الشبه راكدة منذ تولّيه مقاليد الحكم. فبالرغم من الشرارة القادمة من الحدود الليبية، وخطورتها الكبيرة على أمن واستقرار تونس، تُستبعد هذه الأخيرة من مؤتمر برلين لبحث حلّ دولي للأزمة الليبية، دون أن يُشهد للدبلوماسية التونسية ولا لرئيسها الذي لم يقم لحد الساعة بزيارة خارجية، تحركًا مَلحوظًا، ويكتفي بالمُغازلة التي نالها من الرئيس التركي طيب رجب أردوغان الذي نوّه في زيارته الأخيرة بضرورة إشراك تونس والجزائر في مسار حلّ الأزمة الليبية.

إن العطب السياسي الذي تشهده تونس منذ عرسها الانتخابي، ظرفيًّا كان أم مستدامًا، سيؤدي بالتجربة التونسية إلى هزاتٍ قد تكون عنيفة، طالما لم تتفطّن الطبقة السياسي إلى خطورة الوضع، وترمي بخلافاتها وتوجّهاتها إلى الوراء، لتضع ثقّة الشعب التي أعطيت لها صوب مشاريعها.. وإلى ذلكم الحين سيبقى الشعب ينتظر حلولًا لمشاكله، دون مُساءلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد