يعرف العالم في السنوات الأخيرة تصاعدًا للتيار الشعبوي، ويقصد بالشعبوية كما حددها قاموس «بوتي روبير» طبعة العام 2013 «خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النظام ومسؤوليه والنخب».  فالخطاب الشعبوي هو شكل من أشكال الديماغوجية الموجهة للفئات الهشة من الشعب قوامه إثارة عواطفهم بهدف تحريضهم وتعبئتهم ضد الحكام والنخب.

نتج عن تنامي الخطاب الشعبوي في العالم صعود ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إيطاليا، ومؤخرًا انتصار ممثلي هذا التيار في انتخابات البرلمان الأوروبي.

يبدو أن تونس ليست بمعزل عن هذه الظاهرة حسب ما تبينه نتائج سبر الآراء.

مبررات ظهور الشعبوية في تونس

لقد ظهر التيار الشعبوي في تونس منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، حيث تحصل حزب العريضة الشعبية على المرتبة الثالثة بخطاب قائم على إطلاق حلول شعبوية للفئات الضعيفة من المجتمع بأسلوب عاطفي لا يستند لا لمعطيات رقمية ولا علمية، حيث أطلق شعارات فضفاضة من قبيل الصحة المجانية والخبز بأسعار منخفضة جدًا، وتزويج الشباب، والنقل المجاني….

وبالرغم أن التيارات الشعبوية بان زيف ما تقدمه في تونس سابقًا أو في تجارب مقارنة خاصة في أمريكا اللاتينية، فإن التيارات الشعبوية ما زالت تتكاثر، ربما لتنامي مبررات ظهورها.

فقد عرفت تونس بعد ثورة الحرية والكرامة تراجعًا على المستوى الاقتصادي حيث انخفض معدل النمو ليبلغ 1.1 بالمائة في الثلاثية الأولى من سنة 2019 وارتفعت نسبة المديونية والعجز التجاري كما لم يعرف معدل البطالة تراجعًا منذ 4 سنوات، وانعكست هذه الأوضاع الاقتصادية  سلبًا على الوضع الاجتماعي، حيث ارتفعت الأسعار وانخفضت المقدرة الشرائية للمواطنين.

دخل المواطن التونسي في دائرة الإحباط واليأس والنقمة على الثورة وممثليها، ليجد ضالته في الخطاب الشعبوي، خطاب «يمثله» ويعبر عن حالته النفسية، خطابه يستمد مفرداته من معجمين متضادين، الأول حسي وعاطفي موجه للشعب، والثاني عنيف  موجه لمنظومة الحكم والنخب.

صعود ممثلي الشعبوية في عمليات سبر الآراء

من أكثر الأشياء التي جعلت عدة  أطراف تتهافت على الخطاب الشعبوي هو ما لاحظوه من صعود لأصحاب هذا الخطاب في التصويت، على غرار صعود  الحزب الدستوري الحر الذي يمثل العناصر المتطرفة في موقفها من الثورة من أنصار النظام القديم.

لقي خطاب عبير موسي زعيمة الحزب المذكور رواجًا مهما عند فئة  واسعة من التونسيين، رغم ما يتضمنه من تحريض عنيف تجاه خصومها وخاصة النهضة، حيث وعدت بإعادة النهضويين إلى السجون والمنافي فور استحواذها على الحكم، ورغم استنكار خطابها من قبل مختلف الفاعلين في تونس، حتى بلغ الأمر بمحمد الغرياني آخر أمين عام  لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل والذي كانت فيه عبير موسي مسؤولة في مكتب المرأة الراجع له بالنظر يصف خطاب هذه الأخيرة بالانحراف والشعبوية ويعتبر صاحبته ظاهرة عابرة، فإن خطابها ما زال يجد رواجًا وإقبالًا عليه من قبل التونسيين.

كشفت عمليات سبر الآراء المتعلقة بالانتخابات الرئاسية صعودًا سريعًا لنبيل القروي الإعلامي ورجل الأعمال المعروف في تونس والذي أعلن عن ترشحه للرئاسة  بداية الأسبوع الماضي، ويعود صعود القروي لما يعتمده من خطاب حسي موجه للفئات الشعبية المتضررة من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى اعتماده للتواصل المباشر مع هذه الفئات عبر جمعيته الخيرية وقناته التلفزية.

كثيرة هي الأطراف التي تسعى إلى استمالة الناخب عبر خطاب شعبوي يقوم على ادعاء التمثيل الحصري للشعب ونقد منظومة

عبوي وتحريضي لا علاقة له بالمعطيات الواقعية.

هل يحكم الشعبويون تونس؟

تسعى القوى الشعبوية للوصول إلى الحكم في الانتخابات القادمة، ولعل الوضع الحالي يرجح كفة تحقيق مبتغاهم حيث يعيش المشهد الحزبي تشتتًا وضعفًا غير مسبوق منذ الثورة، وهو ما أكدته الانتخابات الجزئية في سوق جديد منذ أيام، كما تعيش الحكومة صعوبات متواصلة، ولم يظهر بعد ما يفيد إمكانية وصولها للانتخابات بحصيلة إيجابية.

تعرف القوى التقليدية تخوفات من صعود التيارات الشعبوية وما قد ينجر عنه تهديد للديمقراطية الناشئة في البلاد حيث تسعى الحكومة من خلال مقترحات متعلقة بتنقيح القانون الانتخابي إلى قطع الطريق أمام بعض الأطراف الشعبوية من خلال اقتراحها لعتبة انتخابية خاصة في الانتخابات التشريعية، تمنع من لا يتعداها من الوصول للبرلمان، كما تقترح منع أصحاب المؤسسات الإعلامية والجمعيات الخيرية من الترشح للانتخابات الرئاسية.

اعتبر البعض أن هذا التوجه «إقصاء مقنن» لبعض الأطراف وفسح المجال أمام الأحزاب التقليدية وخاصة المنظمة منهم للفوز بالانتخابات القادمة، وهو ما تسبب في تأجيل النظر في القانون الانتخابي لأكثر من مرة. فيما اعتبر البعض الآخر أنه توجه حمائي طبيعي يهدف للمحافظة على التجربة الديمقراطية في البلاد.

تراهن، في المقابل، بعض القوى الخارجية على هذه التيارات للتأثير في المشهد القادم وحسن هندسته، حيث حضر سفير الإمارات بتونس في ندوة صحفية نظمها حزب عبير موسي الشعبوي ولا دلالة لهذا الخرق الصارخ للأعراف الدبلوماسية سوى دعم الإمارات لعبير موسي وحزبها.

وإن لم يتبين بعد، المشهد السياسي في الانتخابات القادمة يبدو أنه منظومة الحكم ان لم تكن الأطراف الشعبوية هي المسيطرة عليها فلن يخلو منها المشهد وستكون مؤثرة بأقدار.

انعكاسات صعود التيار الشعبوي

يتوزع الشعبويون بين أنصار الثورة وأعدائها، ويسعى كل منهما إلى الاستفادة من نقد مكونات منظومة الحكم الحالية عبر استهدافها وتقديم نفسه بديلًا لها، وإن كان من الواضح حسن تنظم أعداء الثورة وتبادل الأدوار بينها بما قد يجعلها تتوحد قبل الانتخابات   والتوجه نحو طرف وحيد معتمدين منهجية التصويت المفيد كما حصل في انتخابات 2014، فإن حالة التشرذم التي تعرفها الساحة «الثورية» ودرجة الخصومة والمزايدات بينها ينذر إما بتشرذم كبير في المشهد السياسي القادم بما يعسر إمكانية حكم البلاد بنظام مستقر كما هو الحال في لبنان أو بعودة قديمة للنظام القديم المعادي للثورة والتائق للاستبداد.

إن الشعبوية بما تمثله من تهديد محتمل لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس صار من الضروري البحث عن آليات التوقي من مخاطرها، وإن يعتبر اعتماد القوانين المعدة على المقاس لتحقيق ذلك متعارض مع قيم الديمقراطية التي تسعى تونس لترسيخها، كما أن فكرة تأجيل الانتخابات حتى تستعيد الأحزاب عافيتها والتي راجت في كواليس السياسة في الأسابيع الأخيرة لا تلقى مقبولية عند أغلب الأطراف السياسية معتبرينها تهديدًا للتجربة التونسية، فإن العمل على تجميع الأطراف المؤمنة بخيار الديمقراطية في تكتلات قوية بالإضافة إلى الاتفاق على ميثاق التنافس النزيه بين الأحزاب والالتزام به وكذلك القيام بحملات توعية تعري الخطاب الشعبوي وتفنده من شأنه أن يكون الخيار الأمثل للحيلولة دون سيطرة الشعبويون على الحكم في انتخابات 2019.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد