«والله لم أبحث عن سلطة أو مال أو جاه، وأعتبر السلطة ابتلاء، ولا أنوي الترشح للرئاسة ولا أرغب في قصر قرطاج» 

هكذا أجاب الرئيس التونسي الجديد القادم إلى السلطة في تونس عن طريق الانتخابات وصندوق الاقتراع، في واحد من أبهى الأعراس الديمقراطية في عصرنا هذا، على سؤال كانت قد وجهته له المذيعة في لقاء تلفزيوني على قناة نسمة الفضائية في عام 2014، حول إذا ما كان ينوي الترشح للرئاسة، وأعقب ذلك بأن لا حاجة الآن لترشحه أي في عام 2014، فماذا تغير الآن حتى يقوم قيس سعيّد بالترشح للرئاسة والفوز بها بجدارة وبأغلبية كاسحة في الأًصوات ونسبتها 72.71%.

قيس سعيّد الحاصل على اجازة في الدراسات العليا عام 1985 في القانون الدولي من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس والحاصل في 1986 على دبلوم الأكاديمية الدولية في القانون الدستوري، اعتبر نفسه جنديًا في خدمة تونس بحسب تعبيره، وفضل العمل السياسي المستقل عن الانتماء للأحزاب والتكتلات السياسية، وكانت له مشاركات سياسية واضحة وعديدة، كانت سببًا وراء عرض قدم له بأن يتم توليته احدى الوزارات مثلًا كونه على صلة مع الشعب التونسي، وكونه يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، فرفض ذلك وفضل العمل السياسي المسقل، فقد ذاع صيت قيس سعيّد في عام 2011 عن طريق اللقاءات التلفزيونية، التي كان يتحدث فيها عن الوضع السياسي والمعيشي التونسي في ذلك الوقت، وكان يتم استضافته على أنه خبير دستوري ومحلل سياسي، وساعد في ذلك وظيفته كأستاذ جامعي في كلية الحقوق والعلوم السياسية في سوسة، أما عن ما تغير الآن حتى قام قيس سعيّد بالترشح للرئاسة، هو المشهد السياسي العام في تونس وإحساس قيس سعيّد بضرورة المشاركة في الانتخابات انطلاقًا من واجبه الوطني، ومما يمكن أن يقدم من فائدة للشعب التونسي العظيم، وهذا بحسب تعبيره في ذات المقابلة التلفزيونية، فقد أجاب عن هذا بشكل مسبق ومهد لترشحه بشكل غير مباشر.

أما الآن فكيف نقرأ خطاب الرئيس قيس سعيّد بموضوعية؟

1- جمع الدعم وحشد التعاطف

وجّه قيس سعيّد البوصلة نحو الشعب التونسي، وبهذا يكسب التعطاف اللازم والدعم المأمول من الشعب في مسيرته الرئاسية وحياته السياسية ما بعد فوزه بالرئاسة، وقد أغنت لغته العربية الفصحى وطلاقة لسانه وتأكيده على قوة الشعب التونسي ذلك، وهذا أسلوب ناجح للتعامل مع الشعوب والتعامل مع الأفراد حتى، فكيف سيدعمك الشعب اذا ما كنت فظًا وصاحب لغة هجومية، وقد تنبّه قيس سعيّد لذلك بذكائه وفطنته.

ولا بدّ من ذكر فلسطين والقضية الفلسطينية لحشد التعاطف بشكل أكبر وأكبر، والتأكيد على رفض الاحتلال الاسرائيلي بكل أِشكاله، ولا بد أيضًا من توجيه الخطاب إلى جميع فئات الشعب التونسي من شيوخ وشباب وأطفال في المدينة والقرية وفي تونس كلها، وهذا بكل تأكيد يُحمّل الشعب مسؤولية الاختيار ويشعره بجمال ما فعل، ويجب تذكير الجميع بضرورة الحفاظ على الدولة ككتلة مؤسساتية واحدة تجمع الشعب وتعمل نحو تحقيق طموحاته، بعيدًا عن ما كانت الدولة عليه قبل فوزه بالرئاسة، وبذلك يصحح قيس سعيّد المفهوم الذي ترسخ لدى الشعب التونسي عن الدولة، فعلى مرّ السنين لم يفهم الشعب التونسي، بل الشعب العربي أيضًا من الدولة سوى أنها تسرق وتنهب حقوقه، أما الآن فمن واجب الرئيس أن يصحح هذا المفهوم كما أن يقود تونس نحو إصلاح حقيقي يمحو كل معالم الدولة السابقة من ظلم واستبداد وسرقة للمال العام، ومن الذكاء السياسي للرئيس قيس سعيّد بأن اعترف بالحقوق السياسية لكل أفراد الشعب التونسي العظيم، وضمن لهم الحرية الكاملة في الاعتقاد والقناعات والتوجهات، وبهذا يشبع الغريزة السياسية للشعب ويضمن رضاه ودعمه حتى من الفئات السياسية المعارضة للرئيس.

2- الشهداء وتضحيات الجيش والقوات المسلحة التونسية

لعلّ موضوع الشهداء، عسكريين كانوا أم مدنيين، يعدّ من أكثر المواضيع تداولًا لدى أي رئاسة أو حكومة عربية أو عالمية، وانطلاقًا من الواجب الإنساني بأن نعزي بهم ذويهم فإننا في هذا المقال نفصل بين هذا الموضوع وقدسيته وبين استخدامات السلطة السياسية في كل دول العالم لهذا الموضوع الحساس، فلا نودّ أن يفهم من تناولنا لهذا الموضوع بأننا ضد قدسية الشهداء والشهادة، وانما نقوم بوصف الاستخدام السياسي لهذا الموضوع.

وأما عن الرئيس التونسي فقد تناول في خطابه الحماسي شهداء الجيش والقوات المسلحة التونسية الذين ناضلوا لضمان سلامة تونس وعدم انجراراها وراء الخراب والضياع في خضم ما تمر به المنطقة العربية من فوضى، فلا ننسى الأحداث الأمنية التي كانت بدايتها في عام 2011 في تونس والاشتباكات بين الجيش التونسي ومسلحين ومتمردين حاولوا ركوب الثورة التونسية، وتحقيق مكاسب شخصية من ورائها.

ولا ننسى تحديدًا تلك الاشتباكات مع مسلحين في كل من ولايتي القصرين والكاف، وانفجار لغم في عسكريين تونسيين وقتها، ومحاولة المسلحين المتمردين اقتطاع أجزاء من تونس العظيمة والسيطرة عليها عسكريًا عندما حاولوا فعل ذلك على الحدود الجزائرية التونسية التي تحولت إلى ساحة حرب بينهم وبين الجيش التونسي فقد حاولوا حماية مواقع تمركزهم مثلًا في منطقة جبل الشعباني وغيرها، وذلك كان في عام 2013.

وبالعودة للاستخدام السياسي لهذا الموضوع الحساس في خطاب الرئيس التونسي فمن الضروري معرفة مقدار الدعم السياسي والعسكري على حد سواء، الذي سيجنيه الرئيس الجديد من جراء تناوله لهذا الموضوع وإبراز موقف مناصر لهذه القضية، فيتم تحويل موضوع الشهداء إلى استثمار سياسي ناجح لضمان ولاء الشعب وولاء الجيش أيضًا، وبهذا يتمكن الرئيس التونسي من السيطرة على عواطف الشعب وتوجيهها لخدمة مشروعه الرئاسي، ولا ضير في ذلك كونها حيلة مشروع استخدامها من قبل  السلطة، وتأكيدًا على المكاسب التي يمكن تحقيقها من هذا الموضوع.

لا بد من توجيه تحية حارة للجيش والقوات المسلحة كما فعل الرئيس قيس سعيّد في خطابه الأخير، وبهذا الأمر وببعض القرارات اللاحقة التي قد نشهدها ينئى الرئيس التونسي الجديد بنفسه عن أيّ محاولة انقلابية عسكرية على حكمه، باعتباره داعمًا للجيش الذي انفصل في كثير من الدول العربية عن الشعب وبات على شكل ميليشيات تعمل لتحقيق مصالح السلطة والحاكم، وليس هذا أمرًا خاصًا بالدول العربية فما أكثرها من دول ودويلات حول العالم، تلك التي تحكم شعوبها بقوّة السلاح، وإننا هنا نطالب الرئيس التونسي الجديد، بتجديد الثقة بين الشعب والجيش كحاكم عربي جدير بالثقة كما نطالبه بعدم الانحياز للمؤسسات الأمنية على حساب الانحياز للشعب مستقبلًا، ولا بد من تقليص الفجوة بين الشعب والقوات الأمنية التي لا نكاد ننسى قمعها للتظاهرات في عام 2017 في مدينة طبرية التابعة لولاية منوبة التي خرجت تضامنًا مع بائع الفاكهة الذي أحرق نفسه وقتها، ولا ننسى قمع التظاهرات في القصرين التي خرجت تضامنًا مع الصحافي عبد الرزاق رزقي الذي أحرق نفسه.

3- الإرهاب

مطيّة الحكّام على مرّ التاريخ ولو كان ذلك تحت مسميات عديدة، وهذا موضوع واسع يطول الحديث فيه، ولا ضرورة في هذا المقال لذكر مخاطر الإرهاب وتأثيره السلبي على الدولة والمجتمع، ولا حاجة لذكر ما عانته الدول العربية أمثال تونس وسوريا والعراق من الإرهاب، بل في هذا المقال نستعرض الإرهاب كوسيلة لكسب الدعم السياسي للحاكم، وهذا ما استفاد منه الرئيس التونسي قيس سعيّد، وهذا لا يعيبه ولا يدينه في مكان، فكما أسلفنا فهذه حيلة أخرى تستخدمها السلطة لتمرير مشاريعها السياسية للشعب، على مبدأ مصائب قوم عند قوم فوائد، ولنفرض وجود انتخابات في دولة افتراضية ما، ولنفترض أيضًا حصول عمل إرهابي فظيع فيها، ولنفترض وجود مرشحين اثنين للرئاسة أحدهما وجه تعازيه الحارة للشعب وهاجم في حملته الانتخابية هذا العمل الإرهابي وتوعد في حال فوزه بالرئاسة بالاقتصاص من الإرهابيين ومواجهتهم بكل قوة.

أما المرشح الآخر فقد اكتفى بتوجيه التعزية للشعب فقط، فمن الأكيد أن الشعب سوف يعطي أصواته للمرشح الأول لما رأوه منه من شدة وبأس على الإرهابيين، وهذا أمر طبيعي، فالشعب يبحث عن من يوفر له الأمان والمعيشة الطيّبة، ومن هذا المنطلق يتم استخدام الإرهاب من قبل السلطة على أنه وسيلة لإحكام السيطرة على الشعوب وضمان ولائها، وفي خطاب الرئيس قيس سعيّد تناول هذا الموضوع بشدة ولعلنا جميعًا تنبّهنا إلى لغة جسد الرئيس ونبرة صوته حينما تحدث في هذا، ولعل ذاكرتنا ما زالت تحفظ ما جرى في أنحاء تونس من أعمال تخريبية ومن أعمال استهداف للأمن التونسي، كما جرى في بنقردان في عام 2016.

وكما جرى قبل شهر من الآن تقريبًا في القصرين من مقتل عنصر من الأمن التونسي وثلاثة إرهابيين، تناول إذًا الرئيس التونسي هذا الموضوع حتى يكسب الدعم ويحشد كل العواطف لتأييده وتأييد مشروعه الرئاسي، فهذه حقيقة الموضوع إذا ما أردنا فهمه بعد قراءة خطاب الرئيس بشكل موضوعي وحيادي ونقدي.

4- ضمان الحريات والحقوق ومنها حقوق المرأة التونسية

يؤكد الرئيس التونسي الجديد بحزم وثبات على حقوق الشعب التونسي، وضرورة الحفاظ عليها من كل مساس، وبأن الشعب التونسي ومن خلال ثورته قد حقق جُلّ مطالبه، ومن واجب الدولة ومن واجب الرئيس الحفاظ على كل المكاسب المحققة والدفاع عنها وعن مشروعيتها، حيث إن حرية الشعب التونسي حق مقدس، وحريته تقسم إلى حريات سياسية وعقائدية ومجتمعية وبكل الأحوال لا يجوز المساس بها، وهذا يحسب لهذا الرئيس الحازم القوي ولا يحسب عليه، فقد تميز الرئيس قيس سعيّد عن غيره بهذا، ففي حين تصادر الحكومات العربية حقوق وحريات شعوبها، يأتي الرئيس التونسي هنا للدفاع عنها وضمان تمتع الشعب بها، ويفهم الرئيس التونسي الجديد بكل تأكيد أن المرأة هي نصف المجتمع وربما أكثر من ذلك، فخصص دقيقة من خطابه لتمجيد دور المرأة في المجتمع، وتبيان ما تعانيه وتكابده المرأة في البيت والعمل وفي كل الميادين باعتبارها شريكة في الوطن قبل أن تكون شريكة في المنزل وتكوين الأسرة التونسية، وبهذا يكسب دعمًا من النساء التونسيات في كل الميادين، وبهذا يزيد من شعبيته بكل تأكيد، وبذلك أيضًا يستكمل ما بدأه الرئيس التونسي الأسبق الباجي قايد السبسي من دعم لحقوق المرأة في تونس، حيث وبمبادرة من الرئيس الأسبق السبسي في عام 2018، تم طرح مشروع قانون المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى كحق من حقوق المرأة التونسية.

5- إطلاق مبادرات وطنية تصب في مصلحة الدولة والمجتمع

كان للرئيس التونسي قيس سعيّد الأسبقية والتفرد في طرح مبادرة وطنية رائعة، نرجو أن يقدّر لها التنفيذ وهي المبادرة القاضية بتبرع كل موظف تونسي بأجره لقاء يوم عمل واحد من كل شهر والتنازل عنه لصالح خزينة الدولة، مما يعني دخول أموال هائلة لخزينة الدولة، تضمن بها الدولة توفير المزيد من الخدمات وبناء المزيد من المستشفيات والجامعات والمرافق العامة التي أكد الرئيس التونسي  في خطابه على ضرورة تحييدها عن أيّ صراع، ومن الأهداف المرجوة من هذه المبادرة تقليل الدين العام عن الدولة والاستغناء عن القروض المالية الضخمة، وإننا نأمل جميعًا تنفيذ هذه المبادرة وأن تتعلم الدول العربية الأخرى منها وتحاول إيجاد مبادرات شبيهة لها، كما نأمل في طرح مبادرات وطنية جديدة في تونس تصب في صالح الشعب التونسي، وهذا انطلاقًا من غيرتنا على المصالح العربية المشتركة.

6- كسب التأييد الدولي لمشروع قيس سعيّد الرئاسي

كان لزامًا على الرئيس التونسي الجديد طمأنة الدول والمنظمات التي تجمعها مع تونس مصالح مشتركة ومشاريع أو اتفاقيات تعاون مشترك، بأنّ كل هذه الاتفاقيات سيتم الحفاظ عليها وتجديد الالتزام بها وبتنفيذها، فمع كل فترة رئاسية جديدة في أي دولة ما حول العالم، غالبًا ما تحدث بعض التغييرات التي تحكمها توجهات الرئيس والحكومة، فقد يتم إلغاء اتفاقيات وقد يتم الحفاظ عليها، كما أكد الرئيس التونسي على ضرورة إيجاد صيغ تعاون مشترك واتفاقيات جديدة تعود على الشعب التونسي بكل الخير، ومن الأكيد أن الرئيس التونسي قيس سعيّد قد وجه رسالة واضحة لدول وشعوب العالم من خلال خطابه الأخير، من خلال تأكيده على المبادئ الإنسانية التي تحكم العالم، وقد وجه أيضًا الرئيس التونسي رسالة محبة وتعاون للشعوب الصديقة المجاورة وغير المجاورة لتونس الحبيبة، ولعل أهم رسالة كان قد وجهها الرئيس التونسي للعرب هي تأكيده على أحقية الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وأحقية تونس في تأييد ذلك بكل السبل المشروعة.

قيس سعيّد رجل المواقف المشرفة الذي ناضل خلال السنوات الأخيرة من هذا العقد في خدمة تونس وشعبها، والذي فضّل أن يكون سياسيًا مستقلًا ولا ينتمي لأيّ حزب، حتى يكون منتميًا للشعب التونسي فقط، وحتى يعبر عن آمال هذا الشعب بكل موضوعية واستقلالية دون أيّ ضغوط أو مضايقات، ودون أن يضطر للعمل لحسابات حزبية خاصة، يفوز اليوم بالرئاسة التونسية ويحتل المشهد السياسي التونسي، حيث عبّر الشعب من خلال انتخاب قيس سعيّد عن وعيه ونضجه السياسي ومشاركته الديمقراطية الحقيقية في تقرير مصير تونس، واختيار الرجل الأنسب لقيادة تونس نحو مرافئ السلام والاستقرار والتطور، راجين من الله أن يختلف هذا الرئيس عمن سواه، ويسير بتونس نحو الأفضل، ويضمن حقوق الشعب وينفذ كل وعوده ويلتزم بما قطعه على نفسه أمام الشعب التونسي الكريم، وأن يقف دائمًا في صف الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ـ سياسة, _تونس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد