إنّ نظام 14 يناير (جانفي) الموسوم بالحكم اليميني، بعد تمكنهم من أغلب أجهزة الدولة، وتركيزهم للموالين داخل الإدارة التونسيّة، وتلاعبهم بوجدان المواطنين، والانقسام الداخلي الذي يعصف داخل حركتهم، بان للجميع إنها عشريّة سوداء، تزامنت مع أزمة فشل حكم ذريع انعكست على عموم التونسيين بمزيد من اللاّأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

تواترت الأحداث بصفة متسارعة، من تصاعد خطير لعدد المصابين بفيروس كوفيد-19، والارتفاع اللاّمسبوق والمؤسف لضحاياه، مع تحذيرات متواترة لخطورة انهيار النظام الصحّي العموميّ علاوة على استغلال عدد من المصحّات الخاصّة للظرف الصحّي الحالي رغم تطمينات رئيس الحكومة. الأمر لا يقف فقط عند انتشار وباء كوفيد-19 بل انعكاسته الاقتصادية والاجتماعية على أغلب الفئات الشعبية وما احتجاجات أصحاب المقاهي، والمتاجر، وبل كذلك الفنانين وأصحاب العمل الليلي خير دليل على ذلك مع عدم اتخاذ الدولة أي إجراء حمائي لهم.

أمّا مع الجهاز القضائي، والذي لم يكن فساده غريبا عن التونسيين، أفقنا مؤخرا على فضيحة جديدة بين وكيل الجمهورية السابق «البشير العكرمي» والرئيس الأول لمحكمة التعقيب «الطيب بالراشد» حيث أبرزت هذه القضيّة بينهما حجم التلاعب بملفّات الإرهاب مع وجود إخلالات فضيعة في ملف نبيل القروي والرشوة والإثراء غير المشروع وهو ما يبينّ حتما اتجاه الدولة للتفكّك والصراع اللّامحمود بين أجهزتها.

كما أنّ قضيّة حاويات النفايات الإيطالية تشهد تطورات متسارعة والاتهامات المتبادلة بين وزارة البيئة والديوانة ما زالت تلقي بأثرها، والسؤال يبقى كيف دخلت 70 حاوية كل واحدة منهن تزن 40 طنا رغم الرائحة النتنة؟ ومن المسؤول؟ وبل كم من حاوية دخلت قبلهنّ؟ وماذا أن لم يكشفها برنامج الحقائق الأربع؟ هل كانت ستمرّ مرور الكرام؟

الوضع يتواصل مقلقا بل وخطيرا خاصّة بعد اتفاق معتصمي الكامور بتطاوين والحكومة التي يبدو أنّ سياستها التواصليّة كانت خاطئة أضف إليها تعمّد عدد من وسائل الإعلام ترويج فكرة «خضوع» الدولة وأنها تفاوضت «تحت الضغط» ما أدّى إلى اندلاع اعتصامات داخل مؤسسّات حيوّية على غرار اعتصام الدولاب بالقصرين وقابس والصخيرة، حيث تعطلّ الإنتاج وانقطعت قوارير الغاز عن الجنوب ليقوم الانتهازيون بعملهم المعتاد من احتكار للمادة «إذ وصل سعر قارورة الغاز في صفاقس إلى 25د»، وبل كذلك غياب البنزين في محطاّت التزويد وهو ما جعل طابورات طويلة أمام هذه المحطاّت.

نعم يحصل هذا في تونس 2020، مع ما يلوح من خلافات عميقة حول ميزانية بين النوابّ والحكومة والبنك المركزي، وما يتخللها من ارتفاع المديونية العمومّية والفساد المالي وتنامي التهريب والتضخمّ والتهاب الأسعار.

في هذا السيرك التعيس، وهذا المشهد السريالي، العميق في العبث تحت نظام 14 يناير (جانفي) المعرفّ بأربعة أبعاد : الإخوانيّة والجهويّة والقطاعوية والبرلمانوية تتعمقّ وتتكرسّ أكثر داخل اللاّوعي، فالتنمية واستثمارها في التشغيل يستوجب حتما خلق الثروة، وليس تعطيلها أو إغلاقها في مثل هذا الظرف.

في هذه الأثناء، يتساءل مواطن تونسي من العمق التونسي، عن صواريخ سيادة الرئيس، الصواريخ التي اعتبرها رافدا للتغير المحليّ بإطلاقها على الفاسدين والمحتكرين وأنها ستكون رافدًا للتنمية، ويبدو أنّ هذه الصواريخ قد صدئت أو جرتها السيول الأخيرة.

لسائل أن يتساءل، هل أنّ الظرف الحالي: فساد الجهاز القضائي، وانتشار فيروس كوفيد-19، وشبح إفلاس الدولة، الانتهازية البرلمانية، وسير الحكومة نحو الفشل الذريع في إدارة دواليب الدولة وتعطيل مؤسسات الإنتاج وغياب أي مشاريع مستقبليّة ألا يستدعي من الرئيس تفعيل إجراءات دستورية، طارئة، لحماية الدولة من التفكّك والانهيار، بناها آباؤنا وأجدادنا بالدم والدموع؟ أم أنّ بغلة سيادة الرئيس قدّ تعثرت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد