عرف شهر يناير في تونس تاريخيًا بأنه شهر الانتفاضات والاحتجاجات الاجتماعية منذ عهد الاستعمار إلى يومنا هذا.

هذا الكلام لا يبدو جزافًا إذا علمنا أن هذا الشهر هو الذي شهد اندلاع ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي في 18 يناير (كانون الثاني) 1952، وهو الذي شهد أحداث ما يعرف بالخميس الأسود خلال حكم بورقيبة في 26 منه 1978، وهو الذي شهد رحيل بن علي عن السلطة في 14 يناير. بعد ثورة 2011، لم يختلف الأمر كثيرًا، وقد ظل شهر يناير مميزًا بتحركاته الاجتماعية التي كان آخرها هذا العام، حيث شهدت أنحاء مختلفة من البلاد تحركات تراوحت بين المظاهرات السلمية وأعمال الشغب الليلي دون النجاح في فرض مطالب معينة على النخبة الحاكمة.

لكن على وقع الأزمة الاقتصادية والمعيشية المستفحلة، احتمال عدم انتظار الجماهير التونسية لشهر يناير القادم يبدو راجحًا جدًا، خاصة مع ما يتهدد البلاد من مطبات قد لا نكون شاهدناها من قبل، مثل عجز الدولة عن دفع أجور الموظفين أو توفير المواد الأساسية، وهو ما يبدو اليوم رهينة تقييم إحدى وكالات التصنيف الائتماني التي يكفي أن تسقط إحداها ترقيم تونس السيادي بدرجة واحدة حتى تسقط البلاد في منحدر السيناريو اللبناني.

في تفسيرنا للأسباب التي قد تدفع بالتونسيين للخروج إلى الشارع ربما انطلاقًا من الخريف القادم، يبدو العامل الاقتصادي أول هذه الأسباب وأهمها، وذلك بالنظر إلى أن معركة الحقوق الاقتصادية كانت هي التي قادت جل الانتفاضات المواطنية التي شهدتها تونس، سواء مع إضراب عام 1978، أو انتفاضة الخبز سنة 1984 خلال فترة حكم بورقيبة، أو فيما بعد خلال فترة حكم بن علي حيث ظلت المطالب الاقتصادية هي التي تقود تحركات الشارع ضد نظامه، وقد كان أبرزها انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 ومن ثم ثورة 14 يناير 2011 التي رفعت عاليًا شعارات «شغل، حرية، كرامة وطنية»، «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق».

اقتصاد.. من سيئ إلى أسوأ

بالمقارنة مع الأمس، واقع تونس الاقتصادي اليوم يبدو أكثر قتامة وما علينا إلا النظر إلى بعض الأرقام والمؤشرات حتى نعرف حجم الأزمة التي تقبع فيها تونس حاليًا، والتي قد تكون الأشد منذ الاستقلال. على وقع تفشي وباء كورونا، سجل الاقتصاد التونسي نسبة انكماش بلغت قرابة ب9% خلال العام 2020 متسببًا في خسارة 100 ألف شخص لوظائفهم كما بينت ذلك أرقام المعهد الوطني للإحصاء حول عدد العاطلين عن العمل الذي قفز من 624 ألف شخص في أواخر سنة 2019 إلى 725 ألف شخص في أواخر سنة 2020. وعلى الرغم من توقعات متفائلة لكل من صندوق النقد الدولي والحكومة التونسية التي وضعت إمكانية تحقيق نسبة النمو بأكثر من 3% في 2021، إلا أن تتالي موجات الوباء بشكل أشد وتباطىء حملة التلقيح جاء ليخيب الآمال في حصول تعافي اقتصادي سريع حيث صار الهدف هو عدم تحقيق انكماش يفوق ال2% خلال العام الحالي.

هذه المستجدات أتت لتضيف أعباء جديدة على اقتصاد هو أصلًا غارق في أزماته هيكلية منذ حوالي العقد والتي كان أهمها تضخم الدين العام، تفاقم عجز الميزان التجاري وضعف تدفق الاستثمار الأجنبي، وهو ما كان له تأثير سلبي مباشر على النمو الاقتصادي، معدل التضخم وقيمة العملة. على مستوى المؤشر الأول، تشير بيانات المعهد الوطني إلى أن الاقتصاد التونسي لم يحقق إلا نسبة نمو تقدر ب1.6% على امتداد سنتي 2011 – 2019، هذا في الوقت الذي نجد أن الاقتصاد المغربي قد حقق متوسط نمو يبلغ 3.5% سنويًا خلال نفس الفترة. هذا التباطؤ وعجز البلاد عن تحقيق الإقلاع الاقتصادي عبر نمو لا يقل عن عتبة 5% سنويًا، تعني شيئًا واحدًا، وهو أن الاقتصاد التونسي لم يكن قادرًا على تحقيق النمو المطلوب لاستيعاب الوافدين الجدد على سوق العمل، وهو ما تترجمه حاليًا الأرقام المفزعة حول البطالة.

على مستوى المؤشر الثاني، والذي يتمثل في نسبة التضخم، وهو المؤشر الذي يهم المستوى المعيشي للمواطن وقدرته الشرائية، تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن التضخم تراوح بين 3.5 و7.8% خلال العشرية الماضية (مع أن هناك بعض الشكوك في هذه الأرقام الرسمية)، وهو ما يعزوه المختصون إلى تفاقم العجز التجاري وتراجع قيمة الدينار. ورغم السياسة المالية المقيدة التي اتبعها البنك المركزي منذ تولي المحافظ السابق الشاذلي العياري مقاليده سنة 2012، والتي تجسدت في الترفيع التدريجي لنسبة الفائدة المديرية من 3.5 إلى 6.5% بهدف كبح جماح التضخم، إلا أن تأثير هذه الأخيرة ظل كتأثير الحبوب المهدئة بما أن المشاكل الهيكلية للاقتصاد ظلت بدون علاج.

أما بخصوص قيمة الدينار التونسي، فقد عرف هذا الأخير تراجعًا كبيرًا أمام سلة العملات العالمية خلال العقد الماضي وعلى وجه التحديد أمام الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، حيث تهاوى الدينار أمام الدولار بنسبة تقارب ال100% (من 1420 دينار سنة 2010 إلى 2760 دينار سنة 2021) بينما تهاوى أمام اليورو بنسبة تفوق ال70% (من 1900 دينار سنة 2010 إلى 3300 سنة 2021). وقد كان لهذا التهاوي انعكاسات جد سلبية، سواء على المديونية بما أن القروض التي يجب سدادها مع فوائدها ستكون بالنقد الأجنبي وهو ما يرفع من فاتورتها ويثقل كاهل الاقتصاد، وقد كان لسقوط الدينار انعكاسات أيضًا على الميزان التجاري بما أن كلفة التوريد إرتفعت سواء بالنسبة للسلع الاستهلاكية (خاصة منها الغذائية والطاقية التي لا تحقق فيها تونس الاكتفاء الذاتي) أو بالنسبة للآلات ذات التكنولوجيا العالية، وهو ما أدى في آخر المطاف إلى تفاقم التضخم.

في عودة على الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع الاقتصادي المنهار، يجمع جل المحللين على أن ارتفاع الدين العام وتفاقم العجز التجاري هو ما أدى إلى تهاوي جل المؤشرات. لن نختلف في أن تونس كانت تعاني من أزمة اقتصادية منذ تولي أول حكومة للسلطة إثر رحيل بن علي، لكنها الأزمة التي عجزنا عن الخروج رغم مضي 10 سنوات. لو نظرنا إلى تجارب الدول التي نجحت في التعافي بسرعة من أزماتها الإقتصادية، سنجد أنها سخرت مواردها لمساعدة الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء مع رصد تمويلات ضخمة للأشغال الكبرى من أجل إعادة إنعاش عجلة الإنتاج. ما طبق في تونس كان وصفة مغايرة تمامًا، فبينما كانت الإجراءات المتخذة في غالب الأحيان لصالح أصحاب الثروات وكبار رجال الأعمال، تركت المؤسسات الصغرى والمتوسطة لتواجه مصيرها وقد عرف الكثير منها مصاعب جمة تراوحت بين صعوبة الولوج إلى الأسواق الخارجية، القيود البيروقراطية والمصاعب المالية، حيث قدر قبل تفشي الوباء أن أكثر من نصف هذه المؤسسات تواجه مشاكل وأزمات شديدة.

بالتوازي مع ذلك، عوض وضع حجر الأساس لمشاريع البنية التحتية الكثيرة التي كانت ولا زالت البلاد بحاجة ماسة إليها، سواء على مستوى الطرقات، الجسور، السدود أو سكك الحديد، كانت أولوية الإنفاق العام على كتلة الأجور التي صارت تمتص نصف الميزانية، وهي الكتلة التي ارتفعت بشكل مهول من 6.7 مليار دينار سنة 2010 إلى 20 مليار دينار سنة 2020، بدون مراعاة وتيرة النمو الاقتصادي المتباطئ الذي حققته البلاد خلال هذه الفترة. إثر هذه القفزة، أضحت الزيادة في كتلة الأجور تمول عبر الاقتراض الخارجي لا عبر الموارد الذاتية للبلاد، وهو ما أسقط الدولة في دوامة مفرغة من التداين أوصلها اليوم إلى نسبة مديونية تجاوزت حاجز 100%، من ضمنها ديون خارجية تبلغ قيمتها 30 مليار يورو يجب أن تدفع بالنقد الأجنبي.

مهما تعددت التحليلات والتفسيرات، إلا أن ما وصلنا إليه اليوم يمكن إيعازه بدرجة أولى إلى أزمة خيارات وتصورات من قبل النخب التي حكمت البلاد خلال العشرية الماضية. بعد سنة 2011، كان هناك شباب يبحث عن مستقبل أفضل وعن مستقبل يملكه بين يديه، لكن عوض الرهان على قدرته الإبداعية عبر إرساء نموذج اقتصادي جديد قائم على دعم المبادرة الفردية الخاصة (مناخ قانوني ميسر، إدارة عصرية، دعم مادي…)، وتقليص دور القطاع العام في الاقتصاد، ذهبت الحكومات المتعاقبة نحو خيار التمسك بالمؤسسات العمومية المتعثرة والإنتداب في الوظيفة العمومية كحل ظرفي لمواجهة مشكل البطالة، وهو ما أضاف عبئًا غير مسبوق على كاهل الميزانية حيث ارتفع عدد الموظفين في القطاع العام والمؤسسات العمومية من 430 ألف موظف سنة 2014 إلى حوالي 800 ألف سنة 2020.

بمعنى أوضح، كان لدينا ساسة لم يفكروا إلا بما يخدم أجندتهم على المدى القصير حيث كانت الغاية الآنية هي شراء السلم الاجتماعي غير آبهين بما سينجر عن ذلك على المدى البعيد وها نحن نرى النتيجة جيدًا اليوم. ضغط جبائي شديد، بنية تحتية مهترئة، إدارة عمومية متخلفة، قوانين مكبلة، ووسط كل هذا هناك ساسة ما زالوا يحاولون إقناع التونسيين بأن هذا المناخ قادر على تنمية رأس المال الوطني واستقطاب الاستثمار الأجنبي.

ما تركه الاقتصاد أكملته السياسة

في الأثناء، هذه الوضعية الاقتصادية المتدهورة لم تكن تحتاج إلا إلى صراعًا داخل وبين مؤسسات الحكم حتى يكتمل المشهد المأساوي، وتصل البلاد إلى ما هي عليه الآن من حالة عطالة أو كما يعبر عنه باللغة العامية التونسية «البلوكاج». عطالة ترجمت إلى خيبة شعبية كبرى إزاء منظومة الحكم المنبثقة عن انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية، ولا أدل على ذلك من حالة الازدراء التي أضحت عليها مؤسسات الحكم من قبل غالبية التونسيين. فعلى مستوى الانتخابات التشريعية، انتخب التونسيون حزبًا ليحكم، لكن لم يجدوه فيما بعد في الحكم، أو بالأحرى تهرب منه في مناسبتين، في مناسبة أولى عندما رشحت حركة النهضة شخصية مستقلة ودعت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت رئاسة الحبيب الجملي وهي الحكومة التي لم يكتب لها أن ترى النور لعدم نيلها الثقة من قبل البرلمان. ومن ثم تهربت النهضة من الحكم في مناسبة ثانية عندما صوتت لحكومة تكنوقراط غير متحزبة، فقط لتفادي خيار حل البرلمان وخسارة الغنوشي لمنصبه السيادي.

هذا الأخير أي البرلمان كان هو الآخر عنوان خيبة، إن لم نقل: إحباط شعبي عام؛ فقد غاب تحت قبته العمل البرلماني بما هو نقاش مثمر، وشراكة حتى بين الأحزاب المتخاصمة حول المبادرات التشريعية التي يمكن أن تفيد عامة الناس، وحضر نفور الكل ضد الكل، وهو ما يفسر اليوم فشل جميع الكتل في تمرير أي من مشاريع القوانين التي طرحتها مع العلم أن الكثير منها كان يمكن أن يحظى بتوافق عام بغض النظر عن الخلفيات الأيديولوجية، لكن للأسف عوض معادلة رابح رابح حضرت معادلة خاسر خاسر.

من جهته كان رئيس الجمهورية أهم عناوين الخيبة كبرى التي أصابت طيفًا واسعًا من التونسيين الذين انتخبوه، وكانوا ينتظرون منه الكثير، فإذا بهم يجدون رئيسًا غامضًا، مزاجيًا، غريب الأطوار، وصاحب تصريحات صادمة لم تزد المشهد إلا تعفنًا. انتظر التونسيون رئيسًا يبحث عن مصالح تونس في الشرق والغرب، فإذا بهم يجدون رئيسًا يركن إلى نفس الخيارات الدبلوماسية التقليدية، المتمثلة في التذيل للمواقف الفرنسية، وهو ما تسبب في الإضرار بعلاقاتنا حتى مع أقرب جيراننا، وذلك عندما صرح الرئيس قيس سعيد بأن «شرعية حكومة الوفاق الليبية مؤقتة ويجب الاستبدال بها» مرفقة بدعوته لوضع دستور تكتبه القبائل، واليوم نتيجة هذه التصريحات نراها ماثلة أمامنا عندما نقارن حصة تركيا من عملية إعادة الإعمار المرتقبة في ليبيا بالحصة التونسية.

على مستوى سياساته الداخلية، انتظر التونسيون رئيسًا يقود المعركة ضد الأزمة الصحية والاقتصادية فإذا بهم يجدون رئيسًا متقاعد عن دوره، وهو الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي الذي لم يجمعه منذ قرابة نصف العام في بلد تجاوز فيها عدد المتوفين جراء الوباء حاجز ال14 ألف شخص، فقط لأن له خلافات مع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة. قيس سعيد هو أيضًا رئيس مجلس الأمن القومي الذي لم يلتق يومًا بمزارع، ولم يبحث ما تعانيه الزراعة، رغم أن المسألة تعني الأمن القومي الغذائي للبلاد، وهو رئيس مجلس الأمن القومي الذي لم يزر يومًا سدًا أو يعقد ندوة حول العطش الذي يصيب اليوم مدنًا كبرى في البلاد، رغم أن الأمر يتعلق بالأمن القومي المائي.

في المحصلة، ما وصلنا إليه اليوم يؤكد حقيقة واحدة، وهي أن النموذج التونسي الذي استبشر به العالم عمومًا، والعالم العربي خصوصًا، يعرف أعسر عثراته، العثرة لا تعني السقوط، وهو أمر طبيعي، عرفته جل التجارب الديمقراطية التي احتاج بعضها أكثر من 100 عام حتى اشتد عودها، لكن المهم هو فيما سيتمخض عنها. بعض الديمقراطيات تجاوزت أزماتها بنجاح، وأصلحت أمرها عبر تجذير الديمقراطية، والبعض الآخر انتكس، وعاد إلى غياهب الاستبداد على وقع ضربات قوى الردة في الداخل والخارج، ولنا في تعامل الولايات المتحدة وألمانيا مع أزمة الثلاثينات الاقتصادية خير مثال على ذلك حيث اتجهت الأولى نحو إصلاح اقتصادي عميق مع التمسك بقيمها الليبرالية وهو ما وضعها على سدة حكم العالم فيما بعد، بينما ذهبت الثانية نحو نفق النازية، وكانت النهاية المأساوية التي يعلمها الجميع.

تونس تطلب التغيير نعم، لكن تونس أيضًا تبدو في انتظار عود ثقاب حتى تشتعل نار انتفاضة شعبية عارمة، أو ثورة جياع، لا أحد يعلم إلى أين ستنتهي. قبل 10 سنوات، كان هناك أمل في بديل ديمقراطي عندما تم أُطيح بنظام بن علي، لكن البديل هذه الأيام لا يبدو موجودًا، خاصة أن أغلب الأحزاب الحاضرة على الساحة قد جربت، وكانت لها مساهمة في الحكم بدرجة أو بأخرى، واليوم صارت الثقة في أغلبها شبه معدومة. إلى أين تمضي تونس؟ هذا سؤال يطرحه الجميع، تونس تبدو كسفينة تائهة لا نعلم إن كانت ستجد طاقمًا ينقذها بمزيج من الحكمة والمعجزة أم أنها ستنتهي إلى قاع البحر كما انتهت سفينة تيتانيك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد