بعد يوم من يوم المرأة العالمي راحت تلك الأم المسكينة تحمل وليدها الراحل قبل القدوم، في صندوق من الورق. حملته وهي لا تدري، أهو القدر المحتوم؟ أم أنه عبث الدهر الذي تخلى عنها في قلب الصراع مع الحياة، والحرب الطاحنة من أجل البقاء والتكاثر، عل حظ الأجيال القادمة يكون أحسن، أو حتى أقل سوءًا، لكن هيهات.

هذا هو المشهد في تونس اليوم بعد حادثة وفاة 11 رضيعًا بأسباب ما تزال غامضة وستبقى غامضة. في حين يرجح البعض كفة الأدوية المنتهية صلاحيتها، يبقى الإهمال عاملًا مشتركًا في كل الروايات. وما لم يفتح تحقيق جدي، سيبقى الفساد، السرطان الذي يفتك بجسد هذا الوطن وأجساد ساكنيه.

إن الخراب الذي يطال كل أعمدة الحضارة في تونس يبرهن عجز الأنظمة المعتمدة على المواصلة على الحفاظ على استمرارية الدولة وهياكلها. فالحمل أضحى أثقل من أي وقت مضى، وتم التفريط في كل فرص الإصلاح التي أتيحت للطبقة السياسية التي لطالما كانت ساعية للحفاظ على وجودها على الساحة رغم فشلها. ففي حين وجب الإصلاح والعمل كانت كل الجهود مسخرة للصراعات الحزبية والحروب الأيديولوجية. زد على ذلك الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة والهياكل الحيوية التي عرفت تقهقرًا رهيبًا وانحدارًا خطيرًا في جودة الخدمات المقدمة؛ مما سبب طبعًا تدهور المستوى المعيشي، وزاد في عمق الهوة الطبقية، وهوى على ما تبقى من المنظومة الأخلاقية في المجتمع التونسي. فاندثرت الثقة بين الشعب والسلطة، وبين الشعب والشعب، وبين الفرد ونفسه. اندثرت الأخلاق والثقة على كل الأصعدة.

يقول أحد المختصين في التاريخ البشري إن الإنسان تغلب على جميع مخلوقات الأرض، وأضحى في أعلى درجات الهرم في السلاسل الغذائية، حين كون مجتمعات وتجمعات بشرية. ولم يتمكن الإنسان من العيش في جماعات ومجتمعات إلا عندما خلق المعتقد. أي إن المجتمع يبنى على فكر، أو عقيدة، أو معتقد، دينًا كان أم خرافة، وهمًا كان أم أسطورة، منظومة أخلاقية كان أم دستورًا. لذلك فإن التفسخ الأخلاقي في تونس، والصراع القائم ضد الأديان، والتمرد على القوانين والدستور، خلق مجالًا حرًّا ليحل الإيمان بالفساد، والتصديق بمصلحة الفرد، وتكذيب وردع المصالح المشتركة.

إن ما يحدث الآن في تونس يتجاوز كل المفاهيم الوقتية للمشاكل الموجودة على الساحة الوطنية، ليتعدى إلى مسألة الوجود والعدم. لم يبق في المجتمع التونسي ما يضمن التواصل والاستمرارية لأي شكل من أشكال أطر العيش الجماعي، وأضحت ماهية الدولة ووجودها محل تساؤل ونقاش. إذ لا إطار ينظم العيش في هذا القطر، ولا مؤسسة تسهر على مراقبة الديناميكية المجتمعية، والقانونية، والأخلاقية، وأعني بذلك الغياب الكلي للدولة ومؤسساتها، واندثار الوعي الشعبي بالخطر المحدق، وتمرد الجميع على القوانين والأعراف، واتخاذ الغاية مبررًا للوسيلة.

إن الأزمة في تونس أعمق مما تتصوره شرذمة العصابات التي تحكم البلاد، وعواقبها وخيمة بدرجة لم يقدر الوعي الحالي في المجتمع على تخيلها، ولعل الدليل على ما أقوله هو استمرارية السياسات نفسها والأساليب التي خلقت المشكل يتم اعتمادها لعلاج الداء. إن الساكت على الوضع والقابل به شريك في الجرم، ومسؤول على الخراب الذي حل.

إن استمرارية الحال على ما هو عليه ستجعل من أرواح البشر مجرد أرقام على عداد الموت المتسارع نحو التضاعف، وإن الطريق التي تسير عليه البلاد نهايته جلية لكل من يريد أن يبصر. فهل الأمر كارثي إلى هذه الدرجة؟

نعم، إن الدمار الذاتي أعسر من الهزيمة في الحرب، وأتعس من دمارها. فالشعوب التي أعادت بناء نفسها إبان الحروب وجدت في ذاكرتها موروثًا وعقيدة جمعتها على البناء والنهوض، ووجدت في الهزيمة درسًا، وفي الأعداء سببًا للتقدم من جديد، واضرب لنفسك مثال أوروبا.

أما الشعوب التي تدمر نفسها بنفسها فهي تحتاج أكثر من مجرد البناء لتستعيد مكانتها. تلك الشعوب تحتاج إلى أن تفهم أبعاد وجودها، وتؤسس منظومة جديدة من الأخلاق، والأعراف، والأديان، والقوانين، وهو شيء شبه مستحيل في هذا القرن الذي لا مجال فيه للفرصة الثانية والعودة من العدم.

إن تونس تدخل آخر منعرج قبل هوة النهاية، وهي في طور لفظ الأنفاس الأخيرة في موت سريري قاتل لكل من حمل ذرة حب لهذا الوطن الجميل المسكين. إن الأشهر القليلة القادمة ستشهد تسارعًا رهيبًا في المصائب والأحداث التي ستكون بداية الفوضى والخراب، ما لم يستفق أهل البلد وعاد العمل والحق ليكونا الدين والمعتقد.

رحم الله كل روح ماتت، وكل روح تموت في اليوم ألف مرة، حزنًا على هذا الوطن.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد