تعيش تونس اليوم حالة من الاحتقان السياسي والإعلامي مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية، حيث تراشقت الأحزاب السياسية التهم فيما بينها، وانقسمت آراء المعارضة بين رفض مبادرة رئيس حزب النداء حافظ قائد السبسي نجل رئيس الدولة وبين تأييد يوسف الشاهد وتحفيزه للخروج من جلباب النداء وبعث حزب جديد، وذلك بعد أن تبينت المعارضة من وجود شرخٍ بين رئيس الحكومة الشاهد ورئاسة الجمهورية وحزب النداء.

فلا يزال حافظ قائد السبسي   مصرًا على توسيع حضور نداء تونس في الحكومة منذ ماي 2017 وانتقد الحكومة بلهجة شديدة في اجتماع الشاهد بالموقعين على وثيقة قرطاج الذي انعقد في 14 ماي، كما نشرت جريدة الشارع المغاربي مقالًا لمنى الدندان عن شهادات بعض رؤساء الأحزاب الذين واكبوا الاجتماع أن حافظ قال حرفيًا  «حكومة الوحدة الوطنية ليست مجعولة للدوام.. هي حكومة مؤقتة» ، وهذا ما فضح غياب التنسيق بين الحزب والقصبة والخلاف بين نجل الرئيس والشاهد، مما جعل عددًا من رؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنية المشاركة في الاجتماع تجمع على ضرورة مساندة الحكومة  والمحافظة على الاستقرار السياسي وتأييد يوسف الشاهد والشد على يده. وقد تم تأجيل التحوير الوزاري إلى سبتمبر القادم , و قد  يتم الإعلان عن بعض التسميات وقرارات أخرى في نهاية شهر أوت.

ويذكر أن تونس تمر بأزمة اقتصادية خانقة، بعد أن أوقف الكونغرس الأمريكي ضخ المساعدات ونكث بنك النقد الدولي لوعده بإقراض تونس 500 مليون دولار كانت تنتظرها الحكومة منذ سنتين تقريبًا. وهذا ما جعل من وزير المالية التونسي بالنيابة محمد فاضل عبد الكافي يمضي على قروض عاجلة بمبلغ إجمالي 230 مليون يورو من 13 بنكًا تونسيًا منها البنك الإماراتي والتجاري بنك والبنك الفلاحي، ومدة تسديد القروض ثلاث سنوات مع العلم أن هذه القروض هي لسد العجز المالي العمومي وليست للتنمية. وهذا ما جعل من حزب النداء يختنق إعلاميًا ويترجى الجلوس على طاولة الحوار مع أحزاب المعارضة التي ترفض كل مبادرات النداء خوفًا من أن يجرهم إلى سقوط حر. وانطلقت بالفعل حملة تقييم ما قامت به الحكومة.

حزب النداء الذي انشقت عنه العديد من الوجوه السياسية المعروفة مثل محسن مرزوق وذلك بعد أن رشح رئيس الدولة ابنه لتولي رئاسة الحزب، وهكذا صار لدينا شق حاكم وشق معارض مما أضعف الحزب وجعله يفقد تواصله العميق في الدولة وزادت جراح النداء بعد أن أعلن محسن مرزوق عن بعثه حركة مشروع تونس وميوله للتحالف مع حزب اتحاد تونس الحر ورئيسه سليم الرياحي. لذلك هرع حزب نداء تونس لحركة النهضة وأسسوا تحالفًا معلنًا وإن كان في الظل، بعد أن كان شعار الباجي قائد سبسي قبل الانتخابات هو تقديم قياديين من النهضة للمحاكمة وإزاحتهم بتهم الفساد واختلاس المال العمومي وإثقال الوظيفة العمومية بانتدابات كان المرجو منها البحث عن أرقام نمو وتشغيل.

أين الوعود الانتخابية؟

اعتبر حزب النداء أن النهضة شركاء في الحكم وفي القرار والمصلحة ولكن هل نسيت يومًا أن الشهيد شكري بالعيد قال عنهم «شركاؤنا في الوطن» قبل أن تطوله يد الغدر؟ نعم، خلال حكم الترويكا كفرت شيوخ النهضة شكري بالعيد والحاج البراهمي وأباحت الجهاد في سوريا وتساهلت أجهزة الدولة في تسفير الشباب نحو بؤر التوتر، حيث تتهم تقارير سورية وفنزويلية المنصف المرزوقي وعلي العريض ومحمد الجبالي بتسهيل تسفير المقاتلين. ولا نستطيع أن ننسى تلك الجملة الشهيرة عندما تحدث رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي عن كتيبة عقبة بن نافع الإرهابية المتمركزة في الجبال التونسية وقال «إنهم أولادنا، وهم يلعبون الرياضة فقط». نعم رياضة القتل والتذبيح والتكفير، قميص مع حذاء كرة السلة.

لم تبالِ حركة النهضة بهذا التحالف مع حزب النداء، بل لا تزال تساهم في انشقاقه. ولا تزال أفعال نجل الرئيس غير اللائقة تغضب المعارضة. النداء الذي أصبح مثله مثل فريق كرة القدم ينتدب كل من ذاع صيته مثل محامي الرئيس المخلوع منير بن صالحة والإعلامي برهان بسيس، وهذا يأتي في إطار احتلال المشهد السياسي في الإعلام، كان بالإمكان أن يبحث الحزب عن كفاءات اقتصادية وعناصر شابة وحلول ابتكارية عوض البحث عن ألسنة وأقلام تساهم في استعراض القوة السياسية. وهذا ما يجعلنا نتأكد أن النداء يبحث عن الاستمرارية في الحكم فقط، كان يمكن أن يعمل في صمت ويسكت المعارضة بالأرقام ولكن هيهات ليس هناك حتى برنامج اقتصادي ملموس.

أما رئيس حركة النهضة «الذئب المبتسم» راشد الغنوشي فتقدم بنصيحة هذه الأيام ليوسف الشاهد وقال «عليك أن لا تترشح للانتخابات الرئاسية 2019»، اعتبرها البعض نصيحة واعتبرها العديد من أعضاء الحركة خطابًا رسميًا وربما يقصد بهذا أنه ليس له مكان في 2019 والمكان مكان نجل الرئيس وذلك ما زاد من أزمة النداء. ويأتي هذا بعد أن أبدت جميع الأحزاب اتفاقًا واضحًا بالسير وراء رئيس الحكومة وارتفعت شعبية هذا الأخير بعد حملته ضد الفساد وإيقاف العديد من رجال الأعمال الفاسدين. وهكذا صرح يوسف الشاهد أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية في دورتها القادمة.

راشد الغنوشي ليس سوى رئيس حزب، ولكن كل من يتابع تحركاته يرى فيها أنه يقوم بدور وزير الخارجية تارة ورئيس الدولة تارة أخرى، فكيف له أن يزور الجزائر ليفاوض على مستقبل ليبيا؟ فهذا يعني شيئين؛ إما أن النداء يرفض المبادرة الجزائرية، وإما أن راشد الغنوشي له علاقات مع الميليشيات المسلحة في ليبيا. كذلك علاقة حركة النهضة مع تركيا تصبح مريبة شيئًا فشيئًا فلقد أصبحت الدولة التونسية ترتكز على الواردات التركية، فأصبحت تستورد منها «الماء» وهذا بفضل زياد العذاري النهضاوي وزير الصناعة والتجارة، الذي شغل منصب وزير التشغيل والتكوين المهني في حكومة الحبيب الصيد ولم يقدم شيئًا يذكر سوى تشغيل أبناء الحركة.

في ظل هذا الوضع المتفجر لا يزال النداء يتحمل المسؤولية وحده إعلاميًا، حتى إن المعارضة واليسار التونسي لا تحمِّل حركة النهضة أية مسؤولية بل يطلقون عبارات التودد للشيخ الغنوشي.

ولكن هل تظن أن المعارضة تقوم بدورها المرجو؟ طبعًا هي لا تفعل، اليسار التونسي والنقابات ما زالت تبحث عن المصالح الشخصية وانتصرت إحداها في عزل وزير التربية والتعليم السابق ناجي جلول الذي قدم حلولًا فعلية لإصلاح منظومة التعليم، وما زالت بعض الوجوه السياسية تخاف أن يكون لها مصير الشهيد شكري بالعيد حيث توارى حمة الهمامي عن الأنظار بعد سحب الحماية الشخصية منه، وهو ما اعتبرته راضية النصراوي تهديدًا واضحًا خصوصًا أن البلاد التونسية لا تزال تعاني من الإرهاب وأعلنت عن دخولها في إضراب جوع حتى تعود الحماية الشخصية لزوجها. ولكن هل يقوم حمة الهمامي بدور مهم قد يخيف الحكومة؟ طبعًا لا. في المقابل سليم الرياحي تابع سلسلة تصريحاته في قناة فرانس 24 بعد سحب الحماية الشخصية عنه لتتوالى بذلك الابتزازات السياسية كما سماها رئيس الاتحاد الوطني الحر بعرضه على القضاء بدعوى تبييض الأموال ثم مصادرتها. وهكذا خير سليم الرياحي الابتعاد عن المشهد السياسي فلقد تغيرت قوانين اللعبة. وأما عن حركة مشروع تونس فإن رئيسها محسن مرزوق لا يزال مهتمًا بنزله الذي اشتراه في إيطاليا أكثر من اهتمامه بالمشهد السياسي. ولا يزال الابن المدلل لرئيس الدولة يملي الأوامر ويتحدث بلهجة شديدة وكل من يعترض طريقه ينزع عنه الحماية الشخصية أو يهدده بالقضاء، ويبدو أنه عماد الطرابلسي الجديد من حيث استعمال القوة والسلطة لتنفيذ رغباته وإجراء التحويرات الوزارية التي يريدها.

أنا المخ وأنت العضلات. هكذا قال بهجت لمرسي في مسرحية مدرسة المشاغبين،و تطبق على النهضة والنداء خصوصًا نجل الرئيس وكل من يتابع الأحداث يرى هذا بوضوح، لكن العلاقة اليوم ليست علاقة ود كما كانت عليه فلقد أضحت صراعًا وانقطع التواصل بين الطرفين وذلك بعد أن أعلن راشد الغنوشي رفضه لتقسيم الحكومة عبر التمثيل الحزبي، حزب النداء الذي  نستطيع أن نقول إنه تغول في الحكومة ظاهريًا، وهذا ما عبر عنه القياديون في حركة النهضة في 2015 وأرادوا بها تهدئة الشعب التونسي الذي أبدى معارضة كبيرة لحكم حركة النهضة وكادت الأمور تخرج عن السيطرة قبل انتخابات 2014 خصوصًا في جنازة الشهيد شكري بالعيد 2013. ويتجلى هذا التغول في أن حزب النداء له وزارات السيادة، ورئاسة الدولة ورئاسة الحكومة. وهكذا انسحبت حركة النهضة من المشهد السياسي في الإعلام وتغلغلت في الدولة العميقة و اخترقت عدة احزاب و منظمات في المجتمع المدني ، أما النداء فهو الذي يتحمل المسؤولية وحده أمام المعارضة والشعب ولا يزال يغرق إعلاميًا. ويتناسى الكثير دور النهضة في النكسة التونسية ومساهمتها في إثقال الوظيفة العمومية مما جعل الحكومة تقترض لدفع الرواتب. ولكن الحكومة ليست حملًا وديعًا بل كان بإمكانها إيجاد حلول ابتكارية عوض اتخاذ القرارات الكلاسيكية باقتراض المال والتوجه لبنك النقد الدولي الذي دمر العديد من الدول مثل الفلبين.
وأخيرًا، غالبًا ما يتغلب أو يتخلى العقل على العضلات، وكل المؤشرات تدل على أن النهضة سوف تسحب البساط من تحت أقدام رئيس حزب النداء، وهي مسألة وقت لا غير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دولي, رأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد