هناك حيث تنتهي الدولة يبدأ الإنسان.. فريديريك نيتشه

السياسي (الحاكم والشعب) لم يعد شخصًا يحاسبه الله، بل وظيفة يحدّد الدستور كل أبعادها.. الأستاذ محمد محجوب.

لم يعد نموذج الحكم السائد اليوم ذاك الذي كان في العصور الوسطى حيث كان الحاكم مسؤول أمام الله لا الرعية لأنه يعتبر نفسه ظل الله على الأرض، بل أصبح الحاكم مسؤول أمام الشعب طبقًا لما يحدّده الدستور الذي يمثل أعلى سلطة قانونية في الدولة الحديثة. «فالدستور سيد نفسه. أما الله فقد أصبح معيارًا ضامنًا للأخلاقية على المستوى الشخصي لا على المستوى السياسي» (الأستاذ محمد محجوب). فهو الضامن الأخلاقي لاحترام القائمين على الدولة للدستور والقانون احترامًا لليمين الذي أدوه على الكتب المقدسة. «وهذا اليمين تنزيل ضمن الدستور للتدين وليس تنزيل للدستور ضمن التدين. فالحاكم في الدولة المدنية يرتدي جبة الدولة ومنطق الدستور وإرادة الشعب».

إن الشعب كيان مجرد لا يعاينه الحاكم، بل يسوسه ضمن أفق الدستور الذي من خلاله يفوض الشعب باعتباره صاحب السيادة السلطة لمن يحكم باسمه لا باسمه الخاص. فسلطة الحاكم تحقيق لسيادة الشعب لا للإرادة الشخصية للحاكم، وبذلك تصبح كل محاولة لفرض إرادة الحاكم الخاصة مخالفة جسيمة للدستور توجب سحب التفويض منه. لذلك فإن كل محاولة للحديث باسم الشعب من هذا الطرف أو ذاك دون مراعاة للدستور الذي يحدد وظيفة كل سلطة تصبح ضربًا من اللغو اللفظي الذي لا قيمة له في فن السياسة. فالحكم ينظمه ويحدّده الدستور وهو من يحدد كيفية إدارة الشأن العام للشعب بحيث يكون الحكم في خدمته لا في خدمة طبقة ما أو نخبة ما أو مجموعة نفوذ ما. وإذا مورس الحكم لخدمة أحد هذه القوى المتصارعة في المجتمع فقد كل شرعية لوجوده وأصبح من حق الشعب مقاومته بكل الطرق الشرعية الممكنة.

يجب أن نفرق اليوم بين الحكومة والدولة. فمفهوم الدولة أكثر اتساعا من مفهوم الحكومة، فالدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات الفضاء العام السياسية والقضائية والتشريعية وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، أما الحكومة فليست إلا جزءًا من الدولة وهي الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها فهي بمثابة عقل الدولة ويدها التي تنفذ من خلالها القانون. إلا أن الدولة كيان أكثر ديمومة مقارنة بالحكومة المؤقتة بطبيعتها. فهي إله فان كما بين هوبز. إنها تهيمن على الكافة. أما الحكومات فتتعاقب وتتغير وقد يتغير معها أحيانًا وطبق لحاجة وتطور المجتمع النظام السياسي ولكن الدولة باقية لأن السلطة التي تمارسها الدولة سلطة مجردة وهي تعبر عن الإرادة العامة والخير المشترك للشعب بحياد تام في حين تمارس الحكومة السلطة الفعلية الواقعية ضمن تمثلات سياسية واجتماعية واقتصادية حزبية ذات خلفيات فكرية وإيديولوجية متنوعة ترتبط بمن يشغلون المناصب الوزارية والإدارية للحكومة في وقت معين. ولعل ما يمنع هؤلاء من التغول وفرض مشروعهم الخاص على الدولة إنما هو الاحترام الواجب للدستور باعتباره من يجسد سيادة الشعب وهي السلطة العليا التي ليس فوقها سلطة.

إن تغير الحكومات والأنظمة السياسية لا علاقة له بديمومة الدولة ولا يجب أن يمس ذلك التغير كيان الدولة ذاتها بما يعنيه ذلك من تهديد لوجودها ولوحدة المجتمع ذاته. فمهما اتسعت الخلافات بين مؤسسات الدولة والأطراف السياسية المسيرة لها (يجب أن يدرك الجميع أنهم مجرد إداريين بتفويض من الشعب) فلا يجب أبدًا أن تنسحب تلك الصراعات على جوهر الدولة ذاتها بما يعنيه ذلك من تدمير لأسسها فيجلب ذلك خراب العمران والإنسان معًا.

لم تعد النقاشات الأيديولوجية القديمة حول الهوية ودور الدين في الدولة والمجتمع (ما يسمى بأسلمة المجتمع) مهمة للشعب التونسي اليوم بقدر ما يهمه البحث عن حلول ناجعة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة دون أن يكون ذلك على حساب الحفاظ على نظام حكم ديمقراطي يسع الجميع، ويحقق طموحات الشعب في حياة أفضل. فلا مجال بالنسبة للشعب بمقايضة الخبز بالحرية. إن خلافات النخب السياسية وصراعها حول السلطة لا تعني الشعب التونسي في شيء، كذلك نقاشات النخب الثقافية حول المثلية، والرجعية، والظلامية، والخوانجية، والصوم، أو الإفطار في رمضان التي تتكرر كل سنة وكل الكلمات التي مجها الناس في تونس لم تعد تعنيه أيضًا. إن ما يهم الشعب التونسي أكثر من غيره هو التركيز والاهتمام بمشاكله الحقيقية وهي مشاكل اقتصادية واجتماعية وتربوية تعليمية تحتاج أن يفكر فيها ويتم إصلاحها طبقًا للقيم التي جاءت بها الثورة من كرامة وحرية استشهد من أجلها شباب تونس وطبقا أيضًا للدستور الذي يعبر عن توافق المجتمع حول أسس قيام الدولة المدنية الديمقراطية وكل جدال حول الدستور هو جدال عقيم لا فائدة منه ولا طائل ويهمش النقاش العام حول المشاكل الحقيقية التي يريد الشعب أن تكون هي محور الاهتمام في المرحلة الراهنة حماية لمستقبل الأجيال القادمة.

لقد حان الوقت ليعود السياسيين في تونس لوظيفتهم الأصلية التي من أجلها انتخبهم المواطنين وهي أن يكونوا خدما لدى الشعب لا أن يكون الشعب خادمًا عندهم وخاضعًا لأهوائهم. فالسياسي في النهاية ليس إلا موظفًا عند صاحب السيادة الفعلي وهو الشعب ومهمته الوحيدة طبقا لذلك تحقيق رفاه الشعب في سعيه نحو السعادة والخير فالسياسة في النهاية كما حددها أرسطو السياسة علم عملي، فهي تُعنى بالأفعال النبيلة أو بسعادة المواطنين. فمن الواضح أن كل المجتمعات ترمي إلى الخير، وأن أخطرها شأنًا والحاوي كل ما دونه يسعى إلى أفضل الخيرات: وهذا المجتمع هو المسمى دولة أو مجتمعا مدنيًا (أرسطو، كتاب السياسة، الباب الأول، الفصل الأول: نشوء الدول وأطوار ذلك النشوء، صفحة: 5) ولا أعتقد أن الصراعات الحالية بين الطبقة السياسية يمكن أن تحقق ما أشار إليه أرسطو إلا إذا تحررت من الأنانية، والنرجسية، وعشق الذات، وأدركت أنها في النهاية ليست إلا ضعفًا في قلب وجود الشعب. إن الحفاظ على كيان الدولة وخدمة صاحب السيادة الشعب لا يتحققان إلا بعودة الطبقة السياسية لوظيفتها الأصلية طبقًا للدستور حتى لا ينطبق المشهد التالي في مسرحية غربة للكاتب محمد الماغوط على مسارها ومصيرها:

يرد أغا الضيعة (القرية) على المعلم الذي يريد أن يفتح مدرسة ليقضي على الجهل حين يسأله: «مين حَكّمَك على ها المساكين؟ فيقول: الدستور.. فيسأله المعلّم: أيّ دستور؟ يرد الأغا: دستور الضيعة. ويطلب من الشّرطي أن يريه الدستور.. يتساءل الشرطي: وين الدستور؟ يجيب الشرطي الثاني: بالخرج. الأول يسأل: وين الخرج؟ الثاني: على الحمار. الأوّل: وين الحمار؟ الثاني: موقوف. الأوّل: شو عمل؟ الثاني: أكل الدستور. يلتفت الأغا إلى الشرطي قائلًا: قلتْ لي الحمار أكل الدستور؟ وكيف انهضم معه هيك دستور؟ وكيف بدّي فهّم الحمار الثاني أنّ هناك شرعية ودستور؟».

نتمنى ألا يأكل السياسيون الدستور التونسي، مثلما أكل حمار الضيعة دستورها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد