لا أحد في تونس اليوم بإمكانه الجزم بنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي من عدمه رغم ما تحقق من سوابق فريدة في تاريخ الدولة بداية بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر (تشرين الأول) ٢٠١١ ووضع دستور الجمهورية الثانية في يناير (كانون الثاني) ٢٠١٤ وصولا إلى انتخابات تشريعية ورئاسية نوه العالم بنزاهتها في أكتوبر (تشرين الأول) – نوفمبر (تسرين الثاني) ٢٠١٤. كل هذا بقطع النظر عمن أفرز الصندوق من الفائزين فقد أذعن التونسيون على اختلاف مشاربهم لأمر الديقراطية وشاهد الجميع لأول مرة رئيسا عربيا مغادرا بالانتخاب (المنصف المرزوقي) يسلم القصر والكرسي لخصمه الفائز بأغلبية أصوات التوانسة (الباجي قايد السبسي) ومنذ العام ٢٠١١ إلى الآن تعزز الطموح الديمقراطي بقوانين وهيئات ومنظمات تعمل على حماية الحريات وحقوق الإنسان وتسعى إلى تحقيق أحلام من وهبوا أنفسهم للثورة ذات شتاء، ولكن…

ينتابنا هاجس ثم يتأكد، كلما رأينا هذه السحنات العابسة في شارعنا، أن صبرهم قد انتهى أو كاد ولذلك تبريره، فكل المؤشرات إلى نزول إلا القدرة الشرائية ومؤشر التفاؤل والسعادة. والبادي حقيقة أن التونسي الذي منى النفس كثيرا بتحسن الحال وانفراج الأزمات يجد نفسه الآن، وثورته تطل على عامها السابع، بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها ولم يبق لجموع الشباب الممتلئ خيبة إلا أن تعض بالبنان على حماسة وأمل أهدرهما الوضع الاقتصادي المتردي وسياسة الإقصاء المنتهجة ضدهم.

لا أحد يدرك ما يخفيه الغد لهذا البلد المتخبط في تأرجحه بين موجود ومنشود، حتى الحكومة نفسها لا تعلم إن أمست هل ستصبح وإن أصبحت هل ستمسي فخيط الثقة رفيع جدا بين الحاكم والمحكوم وخطاب التخوين هو الطاغي. وبينما تحتفي دولة المؤسسات بمولودها الدستوري الجديد «المجلس الأعلى للقضاء»، وهي هيئة منتخبة رائدة في الوطن العربي، لا يزال السواد الأعظم من الشعب التونسي، في بحثه عن شيء من العدالة، يكابد شظف الحياة وقلة ذات اليد ولا يزال جمهور العاطلين في تزايد رهيب.

إن التونسيين الآن يعيشون أسوأ حالات القطيعة مع رجال السياسة وموقف الرفض يتعاظم شيئا فشيئا بعد ست سنوات من الوعود والتسويف والجحود. ومن المتوقع سلفا أن تجد هذه الحكومة – الثامنة منذ يناير (كانون الثاني) ٢٠١١ – لنفسها  بعض التبريرات كشأن السبع السوابق وترفع راية الحرب على الإرهاب والفساد ودفع نسق التنمية لكن التونسي على يقين بأنها شعارات مجعجعة فضفاضة لا تغني ولا تسمن من جوع. يقول البعض هنا إنها حكومة صماء لا تصغي لصخب الشارع لكن الأبلغ وصفا أنها مجموعة موسعة من موظفين تقليديين يصرفون أعمال إداراتهم اليومية وينصرفون إلى منازلهم في المساء.

وهكذا يصطدم المسار الديمقراطي بمحنة اقتصادية واجتماعية خانقة لا تبدو نهايتها قريبة ولكن برغم الاختلاف الشديد بين التونسيين على ترتيب أولويات المرحلة تبقى الأغلبية، حسب رأينا، متشبثة بما أنجزته البلاد على الصعيد السياسي على أمل أن تعاضد هذه الديمقراطية الهشة  دعائم اقتصادية قوية ترفعها من مستنقع الفشل والإفلاس. وهو أمل يضعفه كل ساعة خطاب سياسي متلعثم حد الرعونة لأعضاء حكومة هلت علينا فجأة وربما تغادرنا كذلك، من يدري؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد