من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته. كارل ماركس

إنّ دولة الرفاهية هي شكل من أشكال الحكومة التي تحمي الدّولة من خلالها الرفاهيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للمواطنين وتعزّزها، على أساس مبادئ تكافؤ الفرص والتّوزيع العادل للثروة والمسؤوليّة العامة للمواطنين غير القادرين على تأمين الحدّ الأدنى من المؤن الكافي لحياة جيدة (ويكيبيديا). أما الحُريّة فهي في اللّغة حسب ما جاء في قاموس لِسان العرب: كلمة الحُرّ من كلّ شيء هي: أعتَقُه وأحسَنُه وأصوبُه، والشّيء الحُرّ: هو كلّ شيءٍ فاخرٍ، وفي الأفعال: هو الفِعل الحسَن، والأحرارُ من النّاس: خيارُهم وأفاضِلُهم. فالحرية لغة ترتبط بالفضيلة والخير والإنسان الحر هو الإنسان الفاضل والخير. وقد ورَد في إعلان حقوق الإنسان الصّادر سنة 1789 على أنّ الحرية هي حقّ الفرد في أن يفعل ما لا يَضُرّ الآخرين. وهذا الفعل الحر تعبير عن القدرة على الاختيار طبقًا للإرادة الحرة للإنسان. فالأفعال الإراديّة هي الأفعال التي تتمّ حسب إرادة الشخص، أي نابعة من إرادته. أما الاختيار فهو اجتماع العقل والإرادة معًا. واجتماع العقل والإرادة في الفعل هو الذي يجعل الإنسان حرًا. ولكن تحقيق هذا التكامل في الحياة الإنسانية بين العقل والإرادة يتطلب الخروج من الحالة الطبيعية وبناء مجتمع إنساني يكرس الإنسان من خلاله خروجه من الحياة الطبيعية التي تحكمها الغريزة والخضوع لأحكام الطبيعة إلى الحياة المدنية التي يحكمها ويوجهها العقل والإرادة الحرة للإنسان. ولتحقيق ذلك لا بد للناس من وضع عقد اجتماعي يحافظ على الحق الطبيعي في الحرية ويكرس الانتقال من الخضوع للطبيعة إلى الخضوع للمجتمع ومن حكم الغريزة إلى حكم العقل.

يؤكد جون جاك روسو قائلًا: «لا تعتمد الحرّيّة على أن يفعل الفرد ما يريد بإرادته الخاصّة، بقدر ما تعتمد على ألاّ يخضع لإرادة شخص آخر، وهي تعتمد أكثر على عدم خضوع الآخرين لإرادتي الخاصّة. ففي الحرّيّة العامّة ليس لأحد الحقّ في أن يفعل ما تحرّمه عليه حرّيّة الآخرين، إنّ الحرّيّة الحقّة لا تدمّر نفسها قط». ( العقد الاجتماعي ص 44 – 45) فالحرية النابعة من الإرادة العامة هي التي تضمن للناس التحول من الخضوع لهيمنة الطبيعة وسيادة الغريزة إلى الخضوع لحالة التمدّن وسيادة العقل. والتخلي عن العقد الاجتماعي المؤسس لهذا التحول إنّما هو تخلّ عن إنسانية الإنسان وعن كل حقوق الإنسانيّة وأيضًا عن واجباتها. فمن اللامعقول تخلّ الإنسان عن حريته وحرية الآخرين التي ضمنها العقد الاجتماعي. وكأنه بهذا الفعل يتخلّى تمامًا عن إنسانيته وعما يجعل منه إنسانًا. ولذلك لا يتصور العقل السليم وقوع مثل هذا التخلّي. فهذا الفعل لا شرعيّ ولاغٍ لمجرد أنّ الذي يقوم به يفتقد الحسَّ السليم.

إن ماهية الهيئة السياسيّة تكمن في التوافق بين الطاعة والحرّيّة، وأنّ كلمتي رعية وسيادة، إنّما هما كلمتان متلازمتان لهما المعنى نفسه ويتلخّص في لفظة المواطن (ص 46 – 49) فلا يمكن عقليًّا أن تجتمع الطاعة والحرية في يد فرد واحد. فيصبح بذلك هو صاحب السيادة المطلق المتصدر فوق العقد الاجتماعي وفوق السلطة وخارجها. فلا حسيب له ولا رقيب إلا نيته الحسنة. والنية الحسنة لا يمكن أن تمنع نزعة الإنسان نحو التسلطية ذلك أن طبيعة الإنسان كما يقول ابن خلدون في المقدمة فيها ظلم وعدوان لا يردعه إلا وازع يزع الناس عن بعضهم البعض وهذا الوازع هو الملك القاهر أي السلطة التي تكون فوق كل السلط وتمنع تحول صاحب السيادة لطاغية متجبر وظالم. وهذه السلطة التي فوق كل السلط هي العقد الاجتماعي الذي تنازل فيه الكل لفائدة الكل بحيث لا مصلحة لأحد في أن يضع بنودا طبقا لمصلحته الخاصة. ذلك أن العقد الاجتماعي يضمن مصلحة الكل داخل المصلحة العامة التي تعبر عن الإرادة العامة التي هي اجتماع كل الإرادات الفردية. فإذا تم التخلّي عن هذا العقد لفائدة سلطة فردية فكأنما تخلّى الناس عن حريتهم وحقوقهم وتحول واجبهم نحو خدمة مصلحة الفرد مطلق السيادة لا خدمة المصلحة العامة.

يحذّر أفلاطون من أنّ حبّ الحرّيّة المتزايد يؤدّي حتمًا إلى فقدان هذه الحرّيّة وتسليمه، أي الحبّ، مقاليد الحكم إلى طاغية يفسح المجال للشهوات، ولا يعيش إلاّ عبدًا، ومستبدًّا يجهل الحرّيّة الحقّة، والصداقة الخالصة (محاورة الجمهورية). فالفهم السيئ للحرية وتحولها لحرية شخصية مطلقة وبلا حدود قانونية أو اجتماعية، وغلبة الأنانية الأيديولوجية وسيطرتها على أفراد المجتمع والتنظيمات السياسية والاجتماعية وغياب كل شعور أو إحساس بأهمية المصلحة العامة وضرورة حمايتها، قد يؤدي حتما إلى ظهور حالة انهيار عام للدولة والمجتمع تمهد الطريق لمغامر ما لمسك كل مقاليد السلطة في يده حاملًا لواء إنقاذ الشعب والعودة لإرادته الحقيقية التي سقطت تحت سيطرة المصالح الفردية وأنانية القوى السياسية والاجتماعية وتغلغل الفساد في كل مؤسسات الدولة مستغلا تضارب المصالح بين القوى السياسية والاجتماعية المتصارعة من أجل امتلاك السلطة. وفي هذه اللحظة قد يتخلّى المجتمع عن إرادته العامة من أجل تحقيق حلم الرّفاه ورغد العيش الذي يعد به المنقذ.

لقد أدت الممارسات اليومية للساسة وقادة النقابات والإعلاميين خلال العشرية الأولى للثورة التونسية إلى تزعزع ثقة الشعب التونسي في قدرة هؤلاء على قيادة البلاد وتحقيقهم لحلم الشعب في تحقيق الرّفاه الاجتماعي والاقتصادي، وكانت انتخابات 2019 الرئاسية حاملة لرسالة في هذا الاتجاه حيث تم انتخاب الأستاذ قيس سعيد الذي يحمل مشروعًا بديلًا للديمقراطية التمثيلية مبشرًا بنهاية حقبة الأحزاب وبداية حقبة الشعب يريد من خلال الديمقراطية التشاركية المباشرة أو الديمقراطية المجالسية. لقد كان هناك وضوح تام فيما يريد الرئيس قيس سعيد. كذلك كان واضحًا وجليًّا يوم بعد يوم ابتعاد عامة الناس عن الأحزاب والمنظمات الوطنية تدريجيًّا حتى كانت اللحظة المناسبة التي مكّنت الرئيس يوم 25 يوليو (تموز) 2021 من قلب الطاولة على الجميع حكما ومعارضة دون أدنى تعاطف من عموم الناس الذين ملّوا الجميع ولم يروا فائدة من إنقاذ من ساهموا مباشرة في تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل طبقات المجتمع التونسي الذي تحول من مجتمع الطبقة الوسطي مع بداية الثورة (الطبقة الوسطى هي محرك الثورة الرئيس، ولذلك ساهمت كل الحكومات في ضربها وتدميرها) إلى مجتمع الفقر.

حيث زاد الأغنياء غنى وزاد الفقراء فقرًا وظهرت طبقة غنية جديدة أغلبها من السياسيين، والنقابيين، والإعلاميين، والنواب الذين ظهر عليهم الثراء الفاحش بما يتجاوز حدود دخلهم السنوي مما فتح الباب أيضًا للكشف عن مدى الفساد المتغلغل في الطبقة السياسية وفي النقابات والمؤسسات الإعلامية. فأصبحت النخب رمزًا للفساد المتغلغل في المجتمع والدولة. فكان من الطبيعي أن يستهدفها الخطاب الداعم لإجراءات الرئيس بعد 25 يوليو 2021 وأن يركز على فضح وتعرية ذلك الفساد، حتى وإن كان هناك الكثير من التضليل والكذب والزيف في ذلك الخطاب. خطاب لم يفرق بين الفاسدين الحقيقيين (لم يزل بعضهم يمارس مهامه مدعيّا دعم الرئيس) والمقاومين للفساد من نواب وطنيين وشخصيات عامة.

إن وعد الرئيس للشعب هو تحقيق دولة الرفاه الاجتماعي وهي دولة تهتم بمشاكل الناس الاجتماعية، فيحصل المريض على المساعدة الطبية، ويحصل الكبير في السن على راتب تقاعدي، ومن لا يعمل أو من لا يستطيع العمل يحصل على الدعم أيضا. كما تشكل نظام تعليمي جيد، وينبغي أن يتمكن كل إنسان في دولة الرفاه الاجتماعي من الحصول على الفرص نفسها، بغض النظر عن عمره ولونه وجنسه. فدولة الرفاه الاجتماعي الناجحة لا تهتم بالمأكل والمسكن فحسب، بل تهتم بالتعليم والصحة وحق المواطن في المعلومة الصادقة أيضًا. تلك وعود الرئيس التي يحتاج لتحقيقها أن يسرع في تشكيل حكومته مع وضع مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي واضح قابل للتحقيق واقعيّا، وأن يبتعد تدريجيّا عن تشكل صورة لنفسه أن غايته فقط السيطرة التامة على السلطة ووضع كل السلط بين يديه دون أن يكون له رؤية واضحة.

وهي الصورة التي بدأت في التشكل بعد نهاية الشهر الأول من تأويله للفصل 80 من الدستور التونسي حيث يلاحظ الكل تركيز الرئيس فقط على وزارة الداخلية واستغلال كل فرصة لبيان مدى دعم الجيش له وهو أمر يكرس تدريجيًّا أن همّ الرئيس السيطرة على الدولة واحتكار كل السلط من خلال احتكار أدوات القوة داخل الدولة، وهو أمر لا يؤدي ضرورة لبناء دولة الرفاه الاجتماعي، بل دولة الطغيان التي تصبح فيها الطبقة السياسية والنقابية والإعلامية الجديدة التي ستتشكل حول الرئيس بوصفه الزعيم الملهم والمنقذ للدولة والمجتمع هي من يمتلك الثروة في حين يمتلك الرئيس القوة أما الشعب فيتحول لمجرد رعية تطيع طاعة قطيع لا طاعة أحرار كما يؤسس لذلك العقد الاجتماعي المؤسس للمدنية الجامعة بين العقل والإرادة وبين الطاعة والحرية.

إن تحقق دولة الرفاه الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق دون حرية. فالدولة الديمقراطية (حيث يتخذ المواطنين قرارهم معًا) الاجتماعية (حيث يساعد المواطنين بعضهم البعض وتوزع الثروة بشكل عادل بينهم) هي الأقدر على تحقيق ذلك. ليس مهما شكل تلك الديمقراطية: تمثيلي أو مجالسي. بل الأهم هو أن تكون الدولة ضامنة للحرية العامة والخاصة وأن تقوم على عقد اجتماعي يضمن الحريّة والرّفاه للجميع بشكل متساوي. أما المقايضة بين الحريّة والرّفاه فإنها لن تؤدي إلا لبناء نظام استبدادي لن يخدم إلا مصلحة الدولة العميقة والثورة المضادة ويضع كل مصير ومسار الدولة والشعب في يد رجل واحد يذهب بهما حيث يذهب هواه.

إن هدف دولة الرّفاه الاجتماعي ألا يعيش الناس في الفقر، وألا يعيش الناس على حافة الفقر، بل أن يعيش الناس بكرامة. وأن يكون الكل أحرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد