default-avatar
سفيان بوزيد
default-avatarسفيان بوزيد

 اطلعت مؤخرًا على مقال للأستاذة الجامعية التونسيّة آمال القرامي المنشور بجريدة المغرب، بتاريخ 6 يونيو (حزيران) 2018 بعنوان تعديل البوصلة، وفيه تحدثت الكاتبة عن غرق مركب المهاجرين غير النظاميين – ما يطلق عليهم بالدارجة التونسية الحرّاقة – على سواحل قرقنة في الليلة الفاصلة بين 2 و3 يوينو من العام الجاري، والذي اعتبر أنّه أكبر كارثة عرفتها الهجرة السرية في تونس، وفي مقالها حملت الأستاذة الشباب الحارق المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية لقرار اتخاذ الهجرة السرية، وبالتالي حملتهم النتائج عن غرقهم في البحر أو سقوطهم لدى عصابات المافيا في البلدان الأوروبية، كما اعتبرت أنّ الدولة ليست بالأب الحنون، الذي يتحملّ وزر أخطاء الأبناء، وعليهم كان من المحتمّ أن أتفاعل مع السيدّة آمال قرامي حماية لإنسانية التونسي، وحتّى لا يتسبب قلم هؤلاء من كلاب حراسة النظام بمزيد من الجرح في قلوب الشباب.

الحقيقة أن مقال لأستاذة جامعية مثل السيدة آمال القرامي المعروفة بكتابتها في الحريات العامة والأساسية منها حق التونسي في العيش بكرامة، لا يحمل في طيّاته أي تحليل علمي، لم يجد القراء تحليلًا لظاهرة الهجرة السرية من الزوايا الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للشباب التونسي الذي يلقي بنفسه في البحر الأبيض المتوسط في مغامرة غالبًا ما تنتهي بغرقهم، ولنا فواجع عديدة تؤرخ لحجم المأساة تدمي القلب، بل وجدوا سوى هلاميّات من النثر النفسي وكلام عمّومي تروج له الأجنحة الإعلامية للسلطة أحيانًا. لظاهرة الهجرة السريّة، بل إنّه لا يشير إلى أي مسؤولية للدولة بمختلف أجهزتها في تواتر هذه الظاهرة الخطيرة، كما ذهبت الأستاذ بعيدًا لتوجيه التهم إلى عائلات المهاجرين غير النظاميين، واعتبرتهم متواطئين، وعليهم تحمّل نتائج فاجعة غرق مركب قرقنة متجاوزة بذلك القيم الإنسانية في مواساة عائلات الضحايا.

مقال الأستاذة الجامعية يحيلني فورًا على دور كلاب الحراسة الخدم المطيع للطبقة الحاكمة، الذين نصبوا أنفسهم موجهين للرأي العام الوطني بما ينزه السلطة عن فشل سياستها التنموية واختياراتها الاقتصادية ومن النقيض أن السلطة الحاكمة تعترف في وجه الجميع بعمق الأزمة التي تعانيها تونس، بل إنها تفسّر النتائج المترتبة عنها: تضخم مالي، ارتفاع نسبة التداين، عدم انخفاض نسبة البطالة، والتي تؤدي لسقوط الشباب في تيّارات الانحراف واليأس والتطرف والهجرة السريةّ، مع ذلك تستجدي الأستاذة آمال قرامي مكانتها العلمية لتبث سموم قلمها لتنكر بشكل أو آخر مسؤولية الدولة التونسية.

ومن المفيد أن نتوقف على عدد من الأرقام وبعض الدراسات التي أجرتها منظمات غير حكومية وحكومية لنضعها على مجهر التحليل:

فالشباب يمثل في التركيبة السكانية حوالي 60% ونجد أكثر من مليون شاب من أصحاب الشهادات العلمية والتكوين المهني موزعين بين البطالة وآليات التشغيل الهش، وحسب المعهد الوطني للإحصاء بلغت نسبة البطالة في الثلاثي الثالث من سنة 2017 نسبة البطالة في صفوف الذكور 12.3% و22.8% في صفوف الإناث لتكون النسبة العامة للبطالة 15.3%.

كما قدم المنتدى الاقتصادي والاجتماعي في دراسة قام بها هناك حوالي 54.6% من الشباب يرغبون في الهجرة منهم 31% بطريقة غير نظامية، وقد علل المنتدى ذلك بتزايد اليأس والإحباط لديهم والأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأداء الضعيف للحكومات المتعاقبة وتفاقم عدد شبكات التهريب عبر البحر ودور الشبكات الاجتماعية في نشر هذه الظاهرة، كما أشار إلى انقطاع 100 ألف طفل وشاب في تونس عن الدراسة مضيفًا أن منسوب الاحتجاجات الاجتماعية قد تطور من 4960 سنة 2015 إلى 9532 سنة 2016.
فمن المظاهر التي أصبحت تميز الشباب: ارتفاع نسبة الانحراف والأمية. حيث ارتفعت معدلات الانقطاع عن الدراسة بحوالي 30% ليضاف حوالي نصف مليون أمي إلى تونس.
ومن خلال دراسة أجرتها مؤخّرا الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدّرات تبين أن هناك 100 ألف تونسي مدمن، معظمهم من الشباب، ومنهم 8 آلاف فتاة.
وتؤكّد الدراسة تصاعد هذه الظاهرة بعد الثورة حيث إن 70% من الفتيات انطلقن في تعاطي المخدّرات بعد الثورة.
وقد تجاوزت الظاهرة المهمشين والعاطلين عن العمل لتمسّ فئات أخرى من طلبة وتلاميذ ومحدودي الدخل.
ويرجع البعض ارتفاع معدلات الانحراف وتعاطي المخدرات، إلى قسوة ظروف العيش وتراجع دور الدولة في القيام بوظائفها في زرع الأمن وتوفير مواطن الشغل وتحقيق التنمية.

كما أن الدولة والأحزاب السياسية عجزت عن تأطيره، واستقطابه على اعتبار اعتمادهم على آليات فاشلة تجسد في انخفاض نسبة مشاركته في الانتخابات التي بلغت 33%.

المعهد التونسي للدراسات الاستراتجية التابع لرئاسة الحكومة، في دراسة أصدرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 اعتبر أن المهاجر غير النظامي ليس بالضرورة مجرم ولا منحرف، بل مغرر به على اعتبار ما يلاحظه العيش في رفاه وسلاسة في الدول المتقدمة، خاصة منها أوروبا، كما اعتبر المعهد أن مقاومة الهجرة السرية ليست مسألة أمنية، بل كذلك مسألة أمنية واقتصادية واجتماعية، وأن معالجتها تقع على كاهل ضفتي المتوسط، وهي مسؤولية مشتركة، وهو ما يستوجب ضرورة وضع بلدان الضفة الشمالية مخططات ناجعة لتنمية البلدان المغاربية كما فعلت ولازلت تعمل في جوارها الاستراتجي في أوروبا الشرقية والبلقان.

ومن مقاومة الهجرة لابد من القيام بحملات تحسيسية في مختلف الفضاءات لتوعية الشباب والمجتمع بخطورة هذه الظاهرة وتعميمها في المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام وتفعيل دور المجتمع المدني في القيام بانشطة اجتماعية حول هذه الظاهرة والعمل على استراتجية لرفع التأشيرة المفروضة على الشباب والانفتاح على كل الدول الأوروبية، وبقية دول العالم، وتدعيم القدرات خاصة في الجهات المهمشة لإدراجهم في سوق الشغل، ووضع برامج تكوين حتى يتمكن الشباب من خلق مشروعه الخاص، وعدم إغلاق أبواب الهجرة بالكامل، سرية كانت أم علنية؛ إذ منعها الكامل قد يحدث انفجارًا اجتماعيًا أمام تواصل عدم قدرة الاقتصاد على استيعاب بطالة الشباب.

في مقال الأستاذة آمال قرامي اختزلت بمكر صورة مثالية للمجتمع كما تريدها السلطة دون أفكار أو مباحث أزمات الفقر والبطالة، في تبرير مبطنّ لعنف السلطة المعنوي والمادي ضدّ شعبها، أقول المعنوي المرتكز أساسًا على تعويم المشاكل وتعميق أزمة الفرد، فمفهوم كلاب الحراسة توسع من الصحافة والإعلام إلى نخبة من الجامعيين بشكل خاص، وقد برزت لنا الأستاذة في مقالها هذا كأحسن ما يكون، فلم يكن لها تحليل أو أرقام لظاهرة الهجرة السريةّ من أي جوانب اجتماعية أو سياسية، بل وجدت ألاعيب على الأحاسيس، بل إنها تجاهلت حجم المأساة بتهكم أسود على اعتبار أنها اعتبرت أنّ 7 آلاف دينار قادرة على افتتاح مشروع في تونس في ظل انهيار للدينار التونسي والبيروقراطية الإدارية المقيتة، بهذه البلادة تبسط أستاذة جامعية قضية الهجرة السريةّ!

تذهب أكثر من ذلك الأستاذة آمال قرامي فقد حملت عائلات الحراقة المسؤولية على اعتبار أنهم متواطئون، دون مراعاة لعمق فقدان العائلات لفلذات أكبادهم غرقًا.

الغريب أن تصريحات الحكومة تعترف بشدة بعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لشباب تونس، بل إنها قد تبرر قراراتهم ضمنيًا بقرار الحرقة، وفي أكثر من واقعة أطلق القضاء العديد من المشاركين في الهجرة غير السرية، رغم أن القانون التونسي يعاقب عليه بين ثلاثة أشهر و20 سنة سجن مع خطايا مالية تصل لحدود 100 ألف دينار، وهو ما يعبر ضمنيًا عن قناعة بدرجة ما أنها تتحمل المسؤولية عن تهميش الشباب، وعليها أن تخفف عنهم وزر بطالتهم بعدم تتبعهم جزائيًا، خصوصًا أن نسبة هامة من أصحاب الشهادات الجامعية كانت تشارك في هذه الهجرة السرية.

فالأستاذة آمال قرامي لم تشر ولو بنقطة إلى نتائج السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية التي اتبعتها الدولة التونسية في خيارتها منذ انخراطها في سياسة ليبرالية أقّل ما يقال عنها أنّها خربّت الاقتصاد الوطني والارتهان لصناديق الاقتراض الإمبريالية منذ سبعينات القرن الماضي، ولم تشر إلى أن دلالات هذا الخيار أدّى في الكثير من الأحيان إلى اهتزاز أركان الحكم منذ عهدي بورقيبة وبن علي، وكان آخرها انهيار منظومة حكم بن علي بعد أن أطاحت به انتفاضة الشعب التونسي كان السواد الأعظم منها من الشباب في يناير (كانون الثاني) 2011 سببها الأساسي البطالة وانسداد الأفق.

إنّ الذين يَتعاطون التّضليل باستعمال شعاراتٍ كُبرى مثل الدِّفاع عن «قضيّة الشّعب» أو «حُقوق الإنسان» ويَغْفُلون عمّا يَحرصون على مُلاحَقته من مَصالحَ شخصيّة أو فئويّة – مُرتبطة، إنْ جزءًا أو كُلًّا، بنظام الحُكْم القائم – لن يَقبلوا أن يُوصفوا بـ«كلاب الحراسة»، ولا بأن يَشتدّ المرءُ في فضح لَعِبهم مُبيِّنا مدى تعاطيهم لـ«خطاب اللَّغْوى» من خلال تفضيلهم الكَيْل بمكيالين و/أو اعتمادهم فقط لما يُناسب أغراضهم.

وإنْ يكن ثمّةَ فعلٌ يُعبِّر عن الإيمان بمسؤوليّةِ حُريّة التّعبير وبالحقّ في الاختلاف، فإنّه الاجتهاد في نقد الأفكار والذّهاب في تمحيصها إلى أبعدِ حدٍّ لم يكن موضوع المَقال السابق سوى نقد آليّةِ الفَوازير كإحدى الآليّات التي يَشتغل بها خطاب التّضليل؛ لكنّ مثل هذا النّقد لا يُنظَر إليه بين ظَهْرانَيْنا، إلّا كتَهجُّم على الأشخاص، أو كعدمِ قَبُول بالحقّ في الاختلاف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • جريدة المغرب : تعديل البوصلة مقال للاستاذة امال قرامي

  • البنك الدولي : تونس: إزالة الحواجز أمام إشراك الشباب

  • المنظمة الدولية للهجرة

تعليقات الفيسبوك