للفن سياسة، والسياسة فن كذلك، والبون ليس بالشاسع بين الأمرين، للفن سياسة التعبير الذاتي للرؤية الداخلية للفنان بدافع من الموهبة، التي تولد معه، بهدف مناقشة القضايا الوجودية، بحثًا عن الحلول بطريقة غير مباشرة، وكثيرًا ما يكون العمل الفني سياسيًّا ضمنيًّا، يصور الواقع وينتقده عبر رموزه، ولغته، وذائقته، ليقدر على ملامسة الناس والتأثير فيهم. من أعرق البنود في سياسة الفن هو أن ترفع القيود عن الفنان، وأن تختفي القوانين الكونية أمام مخياله في لحظة انصهاره مع الفكرة، إذ لا يحده في سفره زمان ومكان، أين يبلغ من الفضاء قمته ومن الكون أقصاه.

أما عن فن السياسة، فهو فن يكتسب بالخبرة، ويناقش القضايا الوجودية أيضًا مع البحث عن حلول، ولكن بطريقة مباشرة. هو فن التكتيك وترتيب الأفكار، وفن الخطابة والتأثير في الناس كذلك، إلا أن خطابه يرتبط بأرض الواقع، ويخضع لقوانين الدولة، تحده جغرافيًّا البلاد، وخصوصيات المجتمع، والواقع المعيشي.

المفارقة بين الأمرين هو أن سياسة الفن تحتمل ممارسة الهواة، لكن فن السياسة فهو لأصحاب الخبرة في المجال، وإذا كان كل من له موهبة نطلق عليه وصف الفنان، فإنه ليس كل من يعرف شيئًا عن السياسة يسمى سياسيًّا. ولئن كانت سياسة الفن تتبنى جنون الفنان، ونشوته، وتمرده على واقع يستدعى مؤقتًا للتعبير عن معنى ذاتي، فإن فن السياسة لا يحتمل جرأة سياسي ينوب عن شعب في مجلس شورى وطني أقدم على الدعوة إلى انقلاب عسكري، وقلب مسارًا ديمقراطيًّا تحت الأشغال.

إذ دعا عضو نواب الشعب التونسي علي بالنور، عبر محطة إذاعية وطنية يوم 4 أبريل (نيسان) 2017 إلى الانقلاب العسكري على السلطة معبرًا: «أتمنى في يوم ما أن أسمع البيان رقم واحد» (وهو البيان الأول الذي يعلن فيه قادة الانقلاب الاستيلاء على السلطة)، مشددًا على أن السبب الرئيسي للأزمة التي تعيشها البلاد هي الأحزاب السياسية الفاشلة، واستفحال الفساد والظلم على حد قوله، مشيرًا إلى أنه على وعي بخطورة ما يدعو إليه، وهو موقن لما سيحسب عليه من استتباعات.

علي بالنور قبل أن يكون عضوًا بالمجلس الوطني التونسي لنواب الشعب، فهو أحد أشهر الممثلين التونسيين، ويعد من قدماء الدراما التونسية، سجلت في مسيرته الفنية أعمال كثيرة، وهو من الفنانين الذين يتمتعون بحب وتقدير كبيرين من الشارع التونسي؛ لما استأنسه المشاهد من حضوره في المسلسلات التونسية، خاصة منها الرمضانية. وقد انطلق علي بالنور في ممارسة الشأن السياسي مع حزب آفاق تونس، الذي تأسس بعد الثورة التونسية التي تعرف بثورة 14 يناير (جانفي/ كانون الثاني)، وتحصل على التأشيرة القانونية في 28 مارس (آذار) 2011.

صدمة الشعب كانت كبيرة عند سماع الخطاب السياسي الحاد الذي صدر عن ممثلهم في المنابر البرلمانية، داعيًا إلى قلب النظام السياسي الحالي للبلاد، وتسليم مقاليد الحكم إلى المؤسسة العسكرية، بعد أن عقد الشعب التونسي العزم على المضي في تأسيس نظام ديمقراطي وشفاف، ونمط سياسي متحضر ينأى بالدولة عن التشرذم والتشتت. وقد استغرب الأمر من مأتاه بالنسبة للمجتمع التونسي؛ لما يستبعده أن يكون لدى الفنانين النزعة العدائية، وهم في الأصل منبع الأحاسيس وصناع الأمل.

ربما هي هفوة فنان، حمله نفاذ صبره من طول حبكة المشهد السياسي في تونس، وأخذته حماسته إلى محاولة وضع نهاية تراجيدية لهذا الواقع غير المؤقت، إذا أردنا أن نبرر خطاب النائب علي بالنور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

نائب شعب في تونس يدعو الى انقلاب عسكري على السلطة
عرض التعليقات
تحميل المزيد