بادئ ذي بدء، وجب التنويه إلى أنّه وإن بدا العنوان ذا أبعاد قانونية، ومضامين سياسية ومرام اقتصادية، فإنّه لا مقاصد لهذا المقال مِمّا ذُكر، حيث يسعى هذا المقال إلى مقارنة سطحية وبسيطة بين نصيّن قانونيين، صدر الأول سنة 1857 (عهد الأمان) وصدر الثاني سنة 2016، وبدأ تطبيقه سنة2017 (قانون الاستثمار)، نصيّن جمع بينهما الإقليم وإن اختلف النظام السياسي فيه من ملكي إلى جمهوري أو يكاد، وفرقّ بينهما الزمن، إذ يفصل بين القانونين زهاء 160 عامًا، لا يبدو أن النظام العالمي قد اختلف فيها وإن اختلفت أسماء الفاعلين في توازناته، ولا يبدو أن مكانة تونس قد تغيرت في هذا النظام.

يتكون قانون الاستثمار التونسي الجديد من 36 فصلًا، ينخفض عددها إلى 26 إذا ما استثنينا منها 11 فصلًا انتقاليًّا، وإذا ما نحيّنا جانبًا العنوان الأول أي عنوان الأحكام العامة الذي يتضمن أهداف هذا القانون وتعريف المصطلحات الواردة به، والعنوان الرابع المنظم لحوكمة الاستثمار والذي يعد إقرارًا بسوء حوكمته السابقة، والعنوان الخامس المنظّم للمنح والحوافز، فإن جوهر القانون يمكن اختزاله في العنوان الثاني المنظّم للنفاذ إلى السوق والثالث المخصّص لضمانات المستثمر والسادس المخصّص لتسوية النزاعات، وهو ما جملته تسعة فصول، قريبة من حيث العدد والمضمون من فصول عهد الأمان الـ11.

فكما نصّ قانون الاستثمار الجديد في فصله الرابع صراحة على حرية الاستثمار، نصّ عهد الأمان في فصله التاسع على «تسريح المتجر من اختصاص أحد به بل يكون مباحًا لكلّ أحد»، وأضاف في فصله العاشر على أن «الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا بساير الصنايع والخدم…».

وكما أطنب عهد الأمان في التنصيص على الضمانات للأجانب، فعل قانون الاستثمار الجديد في فصوله، السابع الذي نص على أنه «يعامل المستثمر الأجنبي معاملة لا تقل عن المعاملة الوطنية التي يعامل بها المستثمر التونسي عندما يكون في وضعية مماثلة لوضعيته وذلك فيما يتعلق بالحقوق والواجبات المنصوص عليها بهذا القانون»، وفي الثامن على «حماية أموال المستثمر وحقوق ملكيته الفكرية مضمونة طبقًا للتشريع الجاري به العمل…».

أخيرا خصّ قانون الاستثمار الجديد، بابه السادس لتسوية النزاعات، حيث نصّ الفصل الثالث والعشرين على أنهّ «يسوّى كل نزاع يطرأ بين الدولة التونسية والمستثمر بمناسبة تأويل أو تطبيق أحكام هذا القانون وفق إجراءات المصالحة إلا إذا تخلى أحد الأطراف كتابيًّا. للأطراف حرية الاتفاق على الإجراءات والقواعد التي تحكم المصالحة. وفي غياب ذلك، يطبق نظام المصالحة للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي».

وفي ذات السياق نص الفصل الرابع والعشرون على أنّه «عند تعذر تسوية النزاع الناشئ بين الدولة التونسية والمستثمر الأجنبي بالمصالحة، يمكن اللجوء إلى التحكيم بمقتضى اتفاقية خصوصية بين الطرفين»، وللقارئ أن يفهم خطورة هذا الفصل، وخطورة التحكيم الدولي على دول، استشرى الفساد فيها ولم تتعود على احترام القانون من خلال ما تعيشه اليوم تونس من تخوفّات من صدور قرار تحكيمي دولي في قضيّة البنك الفرنسي التونسي، قد يدينها وقد يهزّ ميزانيتها المهتزة أصلا، هزّة قاتلة، فصول تبدو قريبة في جوهرها من الفاصل السابع من عهد الأمان الذي نص على تأسيس مجلس للتجارة «برئيس وكتاب وأعضاء من المسلمين وغيرهم من رعايا أحبابنا الدول للنظر في نوازل التجارات بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول العظام».

وللبقاء في باب المقارنات، وعلى نفس النّفَس الذي قد يبدو متفائلًا بعض الشيء، أختم بمقارنة بين أدوار الكميسيون المالي سابقًا، والبنك العالمي حاليًّا. فدور اللجنة المالية الدولية التي تشكلت بتونس عام 1869، تحت ضغط بعض الدول الأوربية، في ظرفية اشتدت فيها الأزمة المالية التونسية واستحال على الدولة تسديد ديونها الخارجية، والمعروفة باسم الكميسيون المالي، الذي كان يتصرف في مداخيل الدولة التونسية، وكان قد منع الباي من منح امتيازات جديدة، يبدو شبيهًا جدًّا بدور البنك العالمي الذي «يوصي» حكومات بعض الدول «المستقلة» بعدم ترفيع الأجور لأعوانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد