كان لصعود تيارات الإسلام السياسي للسلطة في بعض بلدان الربيع العربي تغيير محوري في معادلة الوصول للحكم في بلدان عاشت لعقود طويلة تحت سطوة الأنظمة السلطوية، التي كرست القهر والاستبداد والاستئثار بالسلطة دون السماح لأحد أن يشاركها كعكة الحكم وإدارة الدولة ومواردها؛ فكان صعود الحركة الإسلامية للسلطة في بعض البلدان بمثابة العنصر الغريب والدخيل على مكونات الحكم في تلك الدول.

والمتابع للمشهد السياسي منذ العام 2011، وخاصة في الدول التي شهدت استقرارًا جزئيًّا تمثّل في تخدير قوى الثورة بما يُعرف بخارطة الطريق وبناء المؤسسات وغيره كما في مصر وتونس وليبيا تحديدًا، يجد أن الحركة الإسلامية في تلك الأقطار التقطت الطعم الذي ألقاه لها أعداؤها لكن بنسب متفاوتة، أدت أيضًا إلى نتائج متفاوتة كلفت الحركة الإسلامية في هذه الدول أثمانًا باهظة كما حدث في المشهد المصري، الذي خُتمت ثورته بانقلاب عسكري دموي.

وهكذا جاء المشهد الليبي بشكل مختلف إلا أن الحركة الإسلامية في تونس ممثلة في حركة النهضة قدمت نموذجًا جديدًا ومختلفًا في التعاطي مع الأزمة التونسية، واستطاعت أن تستفيد من تجارب الإسلاميين في الدول الأخرى، وهو ما دفع المتابعين لدراسة تلك التجربة التي قادها مفكر الحركة وزعيمها السيد راشد الغنوشي، الذي استطاع أن يتجاوز المحنة التونسية بمهارة وحرفية سياسية شديدة حافظت على الأقل على بقايا ثورة تونس من الانهيار الكامل فضلًا عن البعد بالحركة عن أتون صراع غير محمود العواقب والمآلات.

 

ويرى المراقبون أن الغنوشي استطاع أن يتجاوز الأمر بعدة إجراءات سياسية ودبلوماسية متميزة كان من بينها:

1- التنازل عن حكومتين متتاليتين “حماد الجبالي وعلي العريض” من أجل كتابة دستور لكل التونسيين يحفظ الحقوق والحريات ويفسح المجال العام لمشاركة سياسية واسعة.

2- عدم الاصطدام بالمزاج العام التونسي الذي تسيطر عليه النغمة الغربية في عاداته وتقاليده واستخدام خطابات تطمينية لكل أطياف المجتمع التونسي، وظهر ذلك في الخطاب الديني للحركة الذي بدا أكثر وسطية واعتدالًا.

3- السعي الدؤوب لتحقيق شراكة سياسية واسعة مع كل مكونات المجتمع وطرق كافة الأبواب المختلفة مع الحركة قبل المتفقة والمتماهية معها.

4- عدم دفع الحركة بمرشح للرئاسة التونسية الأخيرة استفادة من التجربة المصرية، التي طوقت من الدولة العميقة وأجهزتها المباركية التي وضعت إخوان مصر في موقف هو الأصعب منذ التأسيس.

كل هذه العوامل وغيرها جعلت من حركة النهضة التونسية نموذجًا مختلفًا في التعامل والتعاطي مع الأزمات السياسية، التي تشهد حالة انسداد تام بين شركاء السياسة وفرقائها .وكالعادة فإن نموذجًا كنموذج الغنوشي وحركته لم ولن يسلم من جملة انتقادات معلبة ينالها كل من يحاول أن يفكر بعقلية توافقية ودبلوماسية مختلفة، فشركاء الثورة الذين لم يحظوا بما حظت به النهضة يعتبرون الغنوشي وجماعته سببًا في ضياع ثورة البوعزيزي، وآخرون سيصنفون الرجل مارقًا متواطئًا مع الخط العلماني الذي يضر باعتقاده وولائه وبرائه، لكن الواقع يقول أن الغنوشي رفض الغمار والمجازفة والدخول في معركة تكسير عظام أمام إمبريالية غربية لا ترغب للربيع العربي أن يصل إلى بر الأمان، فاستقر الرجل على فكرة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثورة الياسمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد