قدر المحاماة التونسية الانتصار دوما شعار يردّده كل  “من يعيش المحاماة ويمتهن الحياة”  في تعبير بليغ عن تعلقه بهذه المهنة النبيلة التي  يقضي فيها حياته أكثر من الوقت الذي يهتم فيه ببقية شئوونه.

” المحاماة مهنة حرة ومستقلة تشارك في إقامة العدل، وتدافع عن الحريات والحقوق الإنسانية”.

هذا ما جاء به الفصل الأول من مرسوم عدد 79 لسنة 2011 المؤرخ في 20 أوت 2011 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ولئن كان هذا الفصل بسيط التركيبة فإن محتواه على قدر كبير من الأهمية، كان بفضل نضال امتد عبر مر التاريخ التونسي، بداية من العهد الاستعماري مرورا بالثورة التونسية 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي، وإلى حد هذه المرحلة لم تزل المحاماة تواصل نضالها.

وقد ناضلت المحاماة التونسية كثيرا من أجل توحيد المدخل للمهنة؛ حماية لها من تدخل السلطة السياسية، وضمانا للنزاهة والشفافية في الالتحاق بها، وقد توجت هذه التحركات بتأسيس المعهد الأعلى للمحاماة بتونس في سنة 2006 .

ولكن المهنة التي كان من المفترض فيها أن يكون المدخل الوحيد لها هو المعهد الأعلى للمحاماة دائما ما تفاجأ بمطالب ترسيم عديدة للالتحاق بها، لا تأتي هذه المرة من قضاة قضوا 10 سنوات في القضاء، و أرادوا الالتحاق بمهنة المحاماة، أو قضاة متقاعدين، أو قضاة تم عزلهم لأسباب غير مخلة بالشرف، أو من أساتذة تعليم عال  أو أساتذة محاضرين في القانون، والذين مكنهم المرسوم من الجمع بين المحاماة والتدريس، وإنما من عدد كبير من الطلبة التونسيين الحاصلين على شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة من الجامعات الجزائرية.

وقد بقي هذا الإشكال طويلا منذ سنة  1995 وإلى حد اللحظة بين هيئة ترفض ترسيمهم؛ نظرا لعدم استيفائهم للشروط القانونية، وبين طلبة متمسكين بحقهم في ممارسة المهنة؛ مستندين على شهادة جامعة الحقوق بالجزائر، وبين سلطة تتدخل سياسيا؛ لـ “تسوية الوضعية” وبين قضاء يختلف في قراراته، بين مرسم لهم و رافض لترسيمهم باختلاف الوضعيات.

لذلك أردنا في هذا المقال بيان موقف كل “مجموعة المحامين العائدين من الجزائر”، وموقف الهيئة الوطنية للمحامين، والمحامين الرافضين لترسيم هذه المجموعة، وأهم الحجج القانونية التي يستند إليها كلا الطرفين.

 

أولا : موقف مجموعة المحامين العائدين من الجزائر:

بالتمعن في القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف بتونس وقرارات المحكمة الإدارية وبسؤالنا لأحد التونسيين الحاصلين على شهادة من جماعة الجزائر أمكن لنا تلخيص موقفهم في استنادهم على ثلاث نقاط، وهي التالية:

 

  • أنّ شروط الفصل 3 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 التي تفرض خاصة على التونسي حصوله على الشهادة في مهنة المحاماة من المعهد الأعلى للمحاماة بتونس لا تنطبق؛ لاعتبار أن هذا النص يتناول الوضعية العامة، والأكثر شيوعا، ولا يتناول الوضعيات الخصوصية، والتي منها وضعية التونسيين الحاصلين على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة من الجامعات الجزائرية.
  • أنّ وضعية التونسيين الحاصلين على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة من الجزائر تخضع للاتفاقية التونسية الجزائرية المتعلقة بتبادل المساعدة والتعاون القضائي المبرمة في 26 جويلية 1963 والمصادق عليها بالقانون عدد 15/1966 المؤرخ في 16 مارس 1966، والاتفاقية لها علوية على القانون، وخاصة منها القانون المنظم لمهنة المحاماة سواء القانون لسنة 1989 والمرسوم الحالي المنظم للمهنة، وهو مرسوم 2011، لكنها أدنى مرتبة من الدستور، وبالتالي فإن تحصل التونسي على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة الجزائرية يعني تحصله عليها بموجب التشريع الوطني؛ لأن الاتفاقية المصادقة تدخل ضمن المنظومة القانونية الوطنية.
  • الإحتجاج بقرارات قضائية صادرة عن محكمة الاستئناف تقضي بترسيمهم في جدول المحامين المتمرنين.

ثانيا : موقف الهيئة الوطنية للمحامين الرافضة للترسيم:

يمكن تلخيص حجج الهيئة في :

  • أنّ الفصل 3 من المرسوم وضع من بين الشروط الواجبة للترسيم أن يكون طالب الترسيم تونسي الجنسية، وأن يكون متحصلا على شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة من المعهد الأعلى للمحاماة بتونس، الذي جاء بعد نضال المحامين من أجل توحيد المدخل، وبالتالي فإن مجموعة الجزائر غير مستوفية للشروط؛ لأن شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة تحصلوا عليها من الجامعة الجزائرية، إذ لا يوجد معهد أعلى للمحاماة بالجزائر، وليس من المعهد الأعلى للمحاماة في تونس.
  • في أنّ الاتفاقية التونسية الجزائرية تنص في شروط الترسيم في فصلها الخامس على أربع حالات :

الحالة الأولى: تتعلق بالمحامي الجزائري الذي يمكن له ممارسة مهنة المحاماة بتونس بعد الترسيم في هيئة المحامين بتونس، والمحامي التونسي الذي يمكن له ممارسة مهنة المحاماة بالجزائر بعد الترسيم بهيئات المحامين في الجزائر، وذلك بدون تمييز بينهما على أساس المساواة، والمعاملة بالمثل، التي تكرسها الاتفاقية.

الحالة الثانية: تتعلق بالمواطنين التونسيين والجزائريين الذين يمكن لهم ممارسة جميع الوظائف العدلية الحرة بالجزائر بالنسبة للتونسيين، وفي تونس بالنسبة للجزائريين، بدون تمييز، وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل.

الحالة الثالثة: تتعلق بالمحامين التونسيين والجزائريين الذين تخول لهم الاتفاقية إمكانية النضال، ونيابة الأطراف لدى المحاكم الجزائرية والتونسية.

الحالة الرابعة: تتعلق بالمحامين المرسمين بهيئات المحامين الذين يمكن ترسيمهم بجدول محاميي الدولة الأخرى إذا استكملوا شروط الترسيم بالدولة المطلوب فيها ذلك.

وبالتالي فإنه بالتمعن في الحالات الأربعة فإنها لا تنطبق في أي منها على التونسي المتحصل على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة في الجزائر، وإن تعلل جماعة الجزائر بالحالة الرابعة لا ينطبق عليهم، خاصة وأنهم طلبة حاصلون على شهادة الكفاءة للمهنة، وليسوا محامين مرسمين بهيئات المحامين بالجزائر، وإن افترضنا إمكانية اعتبارهم محامين فإن الحالة الرابعة تفرض استجابتهم لشروط الترسيم بالدولة المطلوب فيها ذلك، وفي قضية الحال فإن جماعة الجزائر لا بد أن يخضعوا للمرسوم المنظم للمهنة الذي يوجب التحصل على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة من المعهد الأعلى للمحاماة بتونس.

 

  • في أنّ تشبث جماعة الجزائر بشهادة الكفاءة المتحصل عليه كحق مكتسب يجابه به أمام الهيئة الوطنية للمحامين مردود عليهم: فتعريف الحق المكتسب يقتضي مجابهة الطرف الذي يمنح هذا الحق، وهي الجامعات الجزائرية ولا يعني الحرمان منه بمجرد الدخول للتراب التونسي، وإنما البقاء متحصلا على تلك الشهادة، غير أنّ الترسيم في المحاماة التونسية لا بد أن يستجيب لشروط الترسيم المقررة بموجب القانون التونسي.
  • إنّ رفض الهيئة لمطالب الترسيم موقف صحيح خاصة وأن الرفض ليس فيه خرق لأحكام الاتفاقية، بل على العكس من ذلك فإن الهيئة برفضها تحترم مبدأ المساواة أمام القانون الذي يكرسه الدستور التونسي الذي يأتي في أعلى الهرم في ترتيب القوانين قبل الاتفاقيات الدولية، وقبل القانون، وبالتالي فإن التونسي يخضع لقانون بلده، ولا يمكن له الاحتجاج باتفاقية تنظم حقوق الجزائري في تونس، وحقوق التونسي في الجزائر، وبالتالي فإن شرط الجنسية لا يعفى منه، إلا الجزائري، وليس التونسي الذي يبقى خاضعا لقانون بلده.
  • هذا الاتجاه كرسته المحكمة الإدارية في العديد من القرارات منها القرار عدد 1216 بتاريخ 13 مارس 1995 والقرار عدد 1090 الصادر بتاريخ 27 ديسمبر 2010 كما ركزت محكمة الاستئناف هذا التوجه في صلب القرار الاستئنافي عدد 54568 المؤرخ في 15 جويلية 2014، وبالتالي فإن القرارات الاستئنافية المحتج بها من قبلهم لم تعمر طويلا؛ إذ تم الطعن فيها بالتعقب لدى المحكمة الإدارية.
  • إنّ مجموعة المحامين العائدين من الجزائر تنطلق من قراءة خاطئة للاتفاقية، في خلط واضح بين التصنيف والجدول، وبين الشهادة العلمية التي تسلمها جامعات الحقوق، شأنها شأن شهادة الكفاءة في المحاماة المتحصل عليها من جامعات الحقوق في الجزائر، والتي تعد شهادة علمية، والتي تختلف عن الشهادة المهنية التي يسلمها المعهد الأعلى للمحاماة بتونس، ولا يمكن أن تكون معادلة لها.

 

ويبدو موقف الهيئة الرافضة لترسيم مجموعة الجزائر أكثر متانة من الناحية القانونية خاصة وأن المحامين دائما ما يطالبون بتطبيق القانون على هذه الوضعية خاصة، وأن قرارات ترسيم مجموعة الجزائر السابقة قد تمت ليس وفقا للقانون، وإنما تسوية لوضعيات كانت تحت ضغط سياسي وإعلامي، ومزايدات انتخابية الغاية، منها: إغراق المهنة بعدد كبير من المحامين؛ يحول دون تنظيمها ويعيقها عن مواصلة دربها النضالي، الذي لا يتوقف عند الدفاع على المتقاضين، وإنما يتعدى ذلك للدافع عن الحقوق والحريات الإنسانية، وفق ما ينص عليه تعريف مهنة المحاماة في فصلها الأول من المرسوم، دون نسيان دورها الكبير في تأطير الثورة التونسية، وفي الدفاع عن المعارضين في المحاكمات السياسية في العهد السابق، وفي الانتقال الديمقراطي الذي توجته الهيئة الوطنية للمحامين بالحصول على جائزة نوبل للسلام كأحد أطراف الحوار الوطني.

 

تبقى قضية محاميي الجزائر رهن تطبيق القانون الذي سينصف الجميع، خاصة وأن المحكمة الإدارية ستنظر في أكثر من 93 ملف تعقيب، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة للتونسيين الحاصلين على شهادة الكفاءة للمحاماة من الجامعات الجزائرية، حيث تخرج في سنة 2014/ 2015 فقط 523 تونسيا وهو عدد كبير، إضافة للدفعات السابقة الذي يمنع توحيد مدخل المحاماة، وحماية هذا القطاع المهني الفعال الذي يحلو للمحامين أن يلقبوه بـ ” عائلة المحاماة التونسية “.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد