من هو الرئيس القادم؟

يبدو السؤال: «من هو الرئيس القادم؟» السؤال المهيمن عل الساحة التونسية بعد غلق باب تقديم الترشحات للمنصب الأرفع في البلد، منصب رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وعلى أهيمة السؤال وصعوبة التكهن بالإجابة القطعية عليه ودلالات ذلك محليًّا وإقليميًّا، فإن السؤال الأهم الذي يجب على الناخب التونسي طرحه وعلى المترشحين لرئاسة الجمهورية الإجابة عنه هو: «ما هي مواصفات الرئيس القادم وماذا ينتظر منه؟»

الانتقال السلس للسلطة بعد وفاة الرئيس السبسي، اعتمادًا على ما تعاقد عليه التونسيون بنص الدستور وانطلاق الهيئة المستقلة للانتخابات للقيام بدورها بتحديد موعد الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بكل استقلالية ومهنية والشروع بقبول الترشحات، أكد ثبات التجربة الديمقراطية التونسية والتزام الجميع باختلاف توجهاتهم بقواعد اللعبة الديمقراطية عمومًا.

من هو الرئيس القادم؟

عدم القدرة على تحديد اجابة يقينية لهذا السؤال هو مصدر انتشاء وفخر لأنصار الديمقراطية لا بتونس فقط، بل بكامل الوطن العربي لكونه مؤشرًا هامًا على مدى نجاح تونس في انتقالها الديمقراطي وترسيخ دولة المؤسسات والقانون وتمكنها، رغم ما يعانيه مسارها من ارتدادات وانتكاسات في الكثير من الأحيان (الفشل في إرساء المحكمة الدستورية مثلًا) والنجاح في التخلص من ثقافة الديكتاتورية وبداية الاحتكام إلى آليات الدستور في المواقف الصعبة والشائكة، لتجعل من بلاد الثورة نموذجًا للانتقال الديمقراطي وبصيص أمل لبقية الشعوب التواقة للحرية والكرامة والديمقراطية في المنطقة العربية. الثابت أن البلاد تسير ولو بخطا متعثرة نحو القطع مع انتخابات الـ99 بالمائة وما عرفته عبر عقود من الدكتاتورية وانفراد بالسلطة.

كل هذا، هو الجزء الممتلئ من الكأس والجانب المضيىء في التجربة التونسية لكن واقع الحال لا يخلو من جوانب سلبية كشفها بكل وضوح وعرّاها السباق نحو كرسي الرئاسة.
في الطريق نحو الرئاسة جميع الوسائل متاحة والمصلحة الذاتية أولًا.

الهوس بالسلطة جعل من تونس تقدم لنا ظواهر سياسية جديدة وغريبة لا تتماشى والانتقال الديمقراطي، بل وتهدده فـ«حزب الحكومة» بقيادة رئيس الحكومة يوسف الشاهد يوظف آليات الدولة للحشد لحزب ولمرشحيه من بعض وزراء حكومته للانتخابات التشريعية ويترشح رئيسه، رئيس الحكومة، لرئاسة الجمهورية. و«حزب القناة» بقيادة مالك قناة نسمة نبيل القروي المتهم بالتهرب الضريبي بعد سنوات من العمل الخيري والظهور على قناته ويترشح للرئاسة الجمهورية بعد محاولات لتحويرر القانون الانتخابي قصد منعه من الترشح. ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي يقدم ترشحه بعد حملة مناشدة مريبة لا لشيء إلا لكونه نظم جنازة الرئيس السبسي تنظيمًا محكا. هؤلاء الثلاثة،يوسف الشاهد ونبيل القروي وعبد الكريم الزبيدي،يمثلون مرشحي المنظومة الأكثر جدية وحظا للمرور للدور الثاني. بقية مترشحي المنظومة للرئاسية كثر رغم ضعف فرصهم في المنافسة الجدية وهو دليل ومؤشر إيجابي يؤكد تشظي المنظومة إلى منظومات والسيستام إلى سيستامات لصالح التعدد والاختلاف وان ظل مرتبطًا بالمصالح المالية والاقتصادية للمتنفذين القدامى والجدد.

اليسار والمتمثل في الجبهة الشعبية طاله التشتت والانقسام في الطريق نحو قصر الرئاسة ومجلس النواب فتقدم المنجي الرحوي مرشحًا للرئاسة عن الجبهة الشعبية في حين يتقدم حمة الهمامي مرشحًا عن ائتلاف حزبي وعبيد البريكي عن حزب تونس إلى الأمام وهو ما يجعل إمكانية منافسة بقية المترشحين متدنية جدًا فما بالك بالوصول للدور الثاني.

في الجهة المقابلة المحسوبة على قوى الثورة والعائلة الديمقراطية الاجتماعية، الحال ليس بأفضل من حيث عدد المترشحين الجديين وعدم القدرة على الدخول بمرشح موحد للقوى المحسوبة على الثورة والطيف الاجتماعي الديمقراطي. مما يبقي على حظوظ المنظومة لتتواصل من خلال إمكانية بقائها متمكنة من مراكز النفوذ والقرار ورسم السياسات العامة ومستقبل البلاد، إذ قدمت النهضة ولأول مرة مرشحًا للرئاسة من داخل الحركة وهو عبد الفتاح مورو نائب رئيس الحركة والنائب الاول لرئيس مجلس نواب الشعب. ترشح عبد الفتاح مورو رغم الثقل الانتخابي لحزب حركة النهضة قد لا يكون كافيًا ليجعل منه منافسًا جديًا لمرشحي المنظومة في حال مر للدور الثاني فهو بحاجة لتأييد من خارج الحركة من الصعب أن يحوزه وهو الذي كان ترشحه محل خلاف حتى داخل الحركة. أما التيار الديمقراطي فقدّم محمد عبو، الأمين العام للحزب والوزير السابق للإصلاح الإداري في حكومة الترويكا مرشحًا للرئاسة في حين قدّم رئيس الجمهورية السابق محمد المنصف المرزوقي ترشحه عن حزب الحراك وائتلاف تونس أخرى. يتوجه كل من محمد عبو والرئيس السابق المنصف المرزوقي إلى نفس القاعدة الانتخابية مع أفضلية واضحة للمرزوقي في قدرته على تجميع ناخبين من آفاق مختلفة ولكن رغم ذلك فإن تنافسهما مع المرشح المستقل قيس سعيد ومع مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو سيضعف حظوظهم جميعًا في بلوغ الدور الثاني ويزيد من حظوظ مرشحي المنظومة بالظفر بالمنصب الأعلى للدولة.

تتفق أغلب استطلاعات الرأي المنشورة أو غير المنشورة حول نوايا التصويت أن المرشحين الأكثر حظًا لبلوغ الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية هم من ذكرنا سابقًا باستثناء مرشحي اليسار. وعليه فإن أحدهم سيكون الرئيس التونسي القادم، ولكن السؤال الذي قد يحدد لأي من هؤلاء وجب التصويت والمساندة هو: «ما هي مواصفات الرئيس القادم وماذا ينتظر منه؟».

صلاحيات الرئيس محدودة لكنها مهمة

يحدد الدستور التونسي مهام رئيس الجمهورية المحافظة على وحدة الدولة وتمثيلها وحماية الدستور وضبط السياسات العامة فى مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطنى من التهديدات الداخلية والخارجية وله صلاحية التعيين والإعفاء في الوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها وفي الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي، وكل ذلك بعد استشارة رئيس الحكومة، كما يتولى تعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب. كما يخول له الدستور حل البرلمان وطرح مشاريع قوانين على الاستفتاء.

ما هي مواصفات الرئيس القادم وماذا ينتظر منه؟

بهكذا صلاحيات على رئيس الجمهورية القادم أن يكون رئيسًا لكل التونسيين وديمقراطيًا مؤمنًا بعلوية الدستور وبضرورة استكمال المسار الديمقراطي، ملمًا بالسياسة الخارجية والمحاور والتوازنات الإقليمية والدولية وقادرًا بفضل شبكة علاقاته وحضوره الوازن بالمحافل الدولية على الدفاع على مصالح البلاد الخارجية والداخلية، وأن يكون قادرًا على ضمان سيادة البلاد وأمنها القومي والسلم الاجتماعي، متعاليًا عن التعيين بالولاءات وقادرًا على تقديم مبادرات تشريعية تسهم في توفير مناخ آمن وعيش كريم لجميع التونسيين على حد السواء.

ينتظر من رئيس بهذه المواصفات أن يسارع بالعمل على إرساء المحكمة الدستورية وتجميع التونسيين حول عقد اجتماعي لضمان حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والعمل على تطوير المؤسسة العسكرية وتعهدها بالتكوين والتسليح وتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب والتعهد بملفات السياسات الخارجية الحارقة عبر تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية النشيطة وفتح حوار جدي مع الاتحاد الأروروبي بخصوص ملف الهجرة غير الشرعية وتغليب الحل التنموي على الحلول الأمنية في هذا المجال، وإعادة التفاوض حول الملفات الاقتصادية كاتفاقية الأليكا بما يضمن الاستفادة منها ومحاولة تحسين شروط التفاوض مع صندوق النقد الدولي عبر البحث عند مصادر دعم وتمويل غير تقليدية والضغط في اتجاه تحويل الديون المتخلدة لمشاريع تنموية، والبحث عن استثمارات جديدة ومجددة في مجال الطاقات المتجدد والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

لا خيار إذا للتونسيين، إذا أرادوا أن تتحسن أوضاعهم ويتواصل تثبيت الديمقراطية وبناء دولة المواطنة حيث الحرية والكرامة والعيش الكريم، إلا أن يحسنوا اختيار المترشح الأقرب لتلك المواصفات والأقدر على تنفيذ انتظاراتهم وخدمتهم لا ذلك الذي يتخذهم حطبًا لنار تضيء طريقه لقصر قرطاج. حسن الاختيار هو الحل إذًا والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد