حين أعلن محمد الصادق باي حاكم تونس دستور 1861 كأول دستور عربي، اعتبر ذلك ثورة إصلاحية كانت أولى ثمراتها تكوين مجلس تشريعي غير منتخب يراقب قرارات الباي سمي بالمجلس الأكبر، لكن هذا المد الإصلاحي لم يدم أكثر من ثلاث سنوات؛ إذ قرّر الباي نفسه إيقاف العمل بالدستور إثر اندلاع ثورة علي بن غذاهم سنة 1864.

كان ذلك أول عهد التونسيين بالبرلمانات رغم قصر التجربة ومحدودية التمثيل الشعبي فيها. وجاءت مظاهرات 8 و9 أبريل (نيسان) عام 1938 كأول تعبير صريح عن الرغبة الشعبية في إصلاحات سياسية عميقة على رأسها إحداث برلمان تونسي. واجهت السلطات الاستعمارية الفرنسية حينها تلك المظاهرات بقمع شديد أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 20 تونسيًا وإصابة 150 آخرين. إثر الاستقلال خُلدت هذه الذكرى كعيد وطني للشهداء يحتفل به في التاسع من أبريل كل عام.

وعلى بعد 80 عامًا من تلك الأحداث، هل حقق التونسيون مطالبهم التي نادوا بها وضحوا من أجلها؟

تجربة أولى مخيبة.. 1956-2011

في 25 مارس (آذار) 1956، أي بعد خمسة أيام فقط من إعلان الاستقلال، شهدت تونس أول انتخابات عامة في تاريخها أنتجت مجلسًا قوميًا تأسيسيًا من 98 عضوًا. ولئن نجح المجلس سريعًا في تمرير مجلة الأحوال الشخصية (قانون الأحوال المدنية) في 13 أغسطس (آب) من نفس السنة، وإعلان الجمهورية في العام الموالي، استغرق تأليف الدستور، وهو المهمة التي انتخب من أجلها أكثر من ثلاث سنوات. كرس دستور دولة الاستقلال النظام الجمهوري الرئاسي الذي مكن الرئيس الحبيب بورقيبة ومن بعده الرئيس بن علي من احتكار الحكم وتهميش دور البرلمان. وشيئًا فشيئًا تحول دور السلطة التشريعية إلى أداة شكلية توافق، وغالبًا بالإجماع على ما يمليه عليها رأس السلطة التنفيذية.

ورغم تمثيل ديكوري جد محدود ومتقطع للمعارضة المرضي عنها، كانت كل برلمانات تونس من الاستقلال إلى ثورة 2011 شبه محتكرة من قبل الحزب الحاكم، ولم تحِد يومًا عن دورها التجميلي للنظام الاستبدادي. تخلل تلك الفترة إحداث غرفة عليا للبرلمان عام 2005 سميت بمجلس المستشارين، ولم تكن مختلفة عن مجلس النواب؛ إذ كان أعضاؤها من المقربين من نظام بن علي، واقتصر دورها على مباركة قراراته وتجميلها. وقد ولّد ذلك لدى كل من النخب السياسية والأوساط الشعبية التونسية رغبة في رفع التهميش عن السلطة التشريعية كأحد الحلول التي من شأنها خلق توازن في الحكم يحد من سطوة رئيس الدولة ويكبح جماح السلطة التنفيذية.

ثورة 2011.. بارقة أمل تكاد تنطفئ

حين خرج الآلاف من الشباب في أواخر 2010 حاملين مطالب اجتماعية بالأساس، لم يخطر ببال التونسيين أن ينتهي حكم الرئيس بن علي بتلك السرعة، وهو الحاكم الذي تتجمع كل أدوات الحكم ومراكز القوى في يده. ومن نتائج تلك الصدمة الإيجابية، اختلاف السياسيين حول إدارة المرحلة الجديدة وآلت الأمور الى إعادة تشكيل النظام السياسي عبر انتخاب مجلس وطني تأسيسي يؤلف دستورًا ديمقراطيًا متمشيًا مع مقتضيات العصر الديمقراطي الجديد.

انتخب المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، واستغرق كما مجلس 1956 أكثر من ثلاث سنوات لوضع الدستور الجديد. شهد المجلس خلافات عميقة حول عديد النقاط، لكن وقع الاتفاق في المحصلة على نظام جمهوري نصف برلماني، يحد كثيرًا من سلطة رئيس الجمهورية ويزيد من نفوذ رئيس الحكومة الذي يخضع بدوره لرقابة لصيقة من البرلمان. تتجلى هذه المراقبة في تمكين أي نائب من مساءلة الوزراء كما يمكن إصدار لائحة لوم ضد الحكومة وسحب الثقة منها من طرف المجلس. يشترط الدستور الجديد أيضًا في فصله الستين أن تترأس المعارضة لجنة المالية التي تراقب موارد الدولة وتقر الموازنة. لأول وهلة، يبدو الأمر تحقيقًا فعليًا للتوازن بين السلطات وتمثيلًا حقيقيًا للرغبة الشعبية.

لكن هذه النظرة المتفائلة اصطدمت بواقع مختلف: فالتحالفات السياسية نقلت مركز القرار من المجلس النيابي إلى غرف مغلقة يتوافق فيها الشيخان (تسمية تطلق على رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي) ليبقى دور البرلمان أقرب إلى التصديق على القرارات بدل المراقبة والمحاسبة. ولكن ذلك لا ينفي وجود معارضة فعلية ليس بوسعها سوى الضغط بينما يحتفظ ائتلاف السلطة بأغلبية مريحة لتمرير ما يقرر في قصر قرطاج الرئاسي.

وزادت خيبة أمل التونسيين بروز ظاهرة سميت بالسياحة الحزبية وهي تنقل العشرات من النواب من أحزاب إلى أخرى ومن كتل برلمانية الى أخرى داخل المجلس لأسباب بعضها سياسي وبعضها الآخر مشبوه. فلا عجب أن ينتج عن هذه التغيرات أزمة ثقة عميقة تفاقمت في السنتين الأخيرتين وتجسدت في عزوف كثير من الشرائح الشعبية عن الشأن السياسي بالبلاد.

على بعد شهرين من الانتخابات المحلية، وأقل من سنتين من الانتخابات التشريعية والرئاسية، يقف التونسيين حائرين أمام ثنائية غريبة: نصوص قانونية تؤسس لنظام ديمقراطي برلماني تشاركي وممارسة سياسية تلتف على تلك النصوص لتعطي للنظام السياسي قالبًا يتلاءم مع رغبات الأفراد الممسكين بأطراف اللعبة السياسية في تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد