نجاح قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية التونسية يعكس بكل تأكيد النضج السياسي في الشارع التونسي من خلال تحقيق توازنات سياسية على أرض الواقع والبعد عن التكتلات الحزبية التي ضاق بها الشعب ذرعًا.

جاءت نتيجة الانتخابات الرئاسية في تونس على نحو غير تقليدي، فقيس، أستاذ القانون الدستوري، لا ينتمي لحزب سياسي، بل اعتمد في حملته الانتخابية على قاعدة عريضة من الشباب، رغم أن عمره 61 عامًا.

وحتى إذا كان حزب النهضة دعم قيس في الجولة الثانية، فإن قيس وصل إلى هذه الجولة دون دعم حزب النهضة الذي خسر مرشحه عبد الفتاح مرو في الحولة الأولى.. فلو كان حزب النهضة له ثقل كبير في الشارع لفاز في الانتخابات بمرشحه مورو.

النضج السياسي والتصريحات الرصينة والمعتدلة والخبرة القانونية جعلت الناخب يرجّح كفة قيس في الجولة الأولي ليضعه في منافسة مع نبيل القروي، رجل الأعمال، زعيم حزب «قلب تونس» ثاني أكبر حزب من حيث عدد المقاعد في البرلمان الذي لديه 38 مقعدًا.

في حديثي مع صديقي وزميلي التونسي، رضا معماري، قال لي إن الشعب التونسي شعب محافظ واختار رجلًا محافظا، رجل له خبرة كبيرة في عالم القانون وله باع في المشاركة السياسية.. يعبر صديقي عن تفاؤله بانتخاب قيس ويقول إنه الرجل الذي سيحقق توازنات سياسية بين الأحزاب السياسية وخاصة حزبي النهضة وقلب تونس، وسيخلق هذا المناخ منافسة حقيقية بين الأحزاب التي ستصب حتمًا في مصلحة الدولة والمواطن.

طبقًا للدستور التونسي، يُكلف الحزب الذي حل أولًا في الانتخابات البرلمانية بتشكيل الحكومة في مدة أقصاها شهران ثم يتم عرض تشكيل الحكومة على البرلمان لنيل الثقة، وبالتالي فإن حزب النهضة الذي لديه 52 مقعدًا من أصل 217 هو الذي سيكلف بتشكيل الحكومة، ولكن من أجل ذلك لابد من الدخول في ائتلاف مع عدد من الأحزاب لضمان الأغلبية في البرلمان، وعلى الأرجح سيكون مع حزب قلب تونس وأحزاب أخرى صغيرة كي يحقق على الأقل 110 مقعدًا.

هذه النتائج تحقق توازنًا في العملية السياسية وتحث الأحزاب السياسية على العمل على تغيير سياساتها وقراراتها لنيل ثقة الناخب والشارع التونسي، لأنها ببساطة لم تحقق ما كانت تطلقه من شعارات.

زاد الوعي لدى المواطن العادي في تونس منذ ثورة الياسمين، وأصبح لديه متابعة لما يحدث في الشارع وتفاؤل بنجاح التجربة، وأصبحت هناك محاسبة شعبية للحكومة وسياساتها قبل المحاسبة البرلمانية، ولأكثر من مرة تكسب تونس الرهان ويجني المواطن التونسي استحقاقات ثورة الياسمين، فتونس الآن تسير على الطريق الصحيح.

تصريحات قيس خرجت من القلب لتستقر في قلوب الناخبين، فهو تحدث بصراحة ودون مواربة عن دعمه للربيع العربي وإيمانه بأهمية وحدة دول المغرب العربي.

هاجم قيس صراحة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وقال إن قضية فلسطين محورية بالنسبة لتونس ودول المنطقة كلها، تصريحات قيس جعلت البعض يرى أنه ينتهج نهجًا محافظًا ويعكس تمسكه بالمرجعية الدينية.

رفض قيس فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهو القانون الذي قدمه الرئيس الراحل باجي قائد السبسي.

لم تكن أيضًا تصريحات قيس عن خطته في التصالح عن طريق المحكمة مع 460 من رجال الأعمال المتهمين بالفساد واستغلال هذا التصالح لتطوير المناطق الأشد فقرًا في تونس ببعيد عن الناخب، حيث عكست برجماتية قيس في هذا الأمر.. وكيفية تحويل التصالح لصالح الشعب.

من ضمن أسباب اصطفاف الناخبين أيضًا خلف قيس هو كلامه عن مظاهر الترف والمواكب والامتيازات حيث صرح بأنه سيؤدي عمله ويعود إلى منزله كأي موظف، وأنه سيتخلى عن مظاهر الترف التي يحصل عليها رئيس الجمهورية.

كتب قيس تغريدة قال فيها:

«لست في حملة انتخابية لبيع أوهام والتزامات لن أحقّقها، بل أنا ملتزم بما أقول وأعد به، عكس وعود الأحزاب التقليدية التي لم يكن حظ الشعب التونسي منها إلا كحظ المتنبي من وعود كافور الإخشيدي».

في ظل وجود حريات، يزداد وعي المواطن وبالتالي يصب في مصلحة الدولة، وهذا ما حدث فهناك وعي في الشارع التونسي الأمر الذي أربك حسابات الأحزاب السياسية التي كانت تعوّل عن برامجها التي لا تسمن ولا تغني من جوع. هناك تفاؤل كبير في الشارع التونسي لنجاح هذه التجربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد