عادة ما تحكم ترتيب أولويات الدول المتحضرة التي تحترم شعوبها اعتبارات وأسباب موضوعية بحتة، ترتكز أساسًا على رهانات مرحلة معينة ومتطلباتها، وتأخذ بعين الاعتبار احتياجات مواطنيها ومتطلباتهم. وعادة ما يُحدد  توقيت الانطلاق في مشروع ما في هذه الدول، بحسب مدى جدوى هذا المشروع ومدى استجابته  لمتطلبات شعوبها ونفعه لهم.

وعادة ما تُحدّد هذه الأولويات في دول العالم الثالث المتخلفة (التي تصنف تونس ضمنها) خيارات لا تخلو من بعد شخصي لحاكميها، حيث إن رغبات هؤلاء ونزواتهم غالبًا ما تكون مؤثرة فيها إن لم تكن المحدّد الأوحد لها، ضاربة عرض الحائط بمتطلبات شعوبها التي أراد لها حكّامها أن لا ترتقي إلى درجة المواطنة والتي بقيت تتراوح بين درجة الرعيّة وما دونها.

ولمعرفة أولويات بلادي، أقارن بين ما عرفه تشييد ممرين علويين فوق الطريق المؤدي إلى المرسى، تقرر الانطلاق فيهما بعد أن حصدت السيارات المارة به عشرات الأرواح من بُطء وتراخٍ، وبين السرعة القياسية التي انطلقت بها أشغال إعادة تمثال أول من ناله شرف رئاسة الجمهورية التونسية ( المرحوم الحبيب بورقيبة ) إلى شارع ظل يحمل اسمه حتى بعد الانقلاب عليه وعزله عن سلطة تمسّك بها طويلًا إلى أن لفظته سنة 1987.

فالدولة ورغم العدد الكبير للضحايا الذين عرفوا الموت في طريق المرسى، لم تقرر إقامة الممرين على أهمية دورهما في حفظ أرواح البشر، إلَّا إثر حادث فظيع، ذهب ضحيته شاب في السادسة عشرة كان يساعد سيدة عجوز على عبور الطريق، لقيت هي الأخرى حتفها. حادث سارعت على إثره السلطات إلى غرس علامات مرورية على جنبات الطريق تعترضك ذهابًا وإيابًا، من وإلى المرسى. تنبهك الأولى إلى وجود حظيرة أشغال، وتخبرك الثانية بانطلاق الأشغال، وتطلب منك الثالثة والرابعة تخفيض السرعة إلى 50 ثم إلى 30 كم تباعًا، وتبشرك خامسة بانتهاء أشغال لم تنطلق أصلا، رغم أن علامة من تلك التي تحتوي على جميع بيانات الإنجاز، أقرت انطلاق الأشغال بداية من أكتوبر 2015 ، وحددت مدة الأشغال بأحد عشر شهرًا، مر منها خمس عجاف.

وخلافًا لهذا البُطء، شهدت أشغال إعادة تمثال المرحوم بورقيبة الذي وقعت إزالته عقب الانقلاب عليه سنة 1987 إلى شارع الحبيب بورقيبة سرعة قياسية، رصدت فيها الاعتمادات، وأنجزت فيها الدراسات وانطلقت فيها الأشغال وتواصلت بكرة وأصيلا وبالأسحار، وكأن إعادة التمثال إلى مكانه تستجيب لطلب شعبي مُلِحّ، أو كأنها ستساهم في حفظ أرواح المواطنين أو في  تحقيق نفع لهم. فكيف ترتب أولويات هذا البلد وما هو المهم وما هو الأهم؟

وإن لم أنجح في فهم كيفية ترتيب الأولويات في تونس، فإنه يبدو لي من المهم أن تكون للدول شخصيات وأعلام مرجعية، تفتخر بها وبإنجازاتها، ويبدو لي من المهم بمكان أيضًا أن تحيي الدول ذكرى هؤلاء وأن تخلدها من خلال التعريف بهم وإدراجهم في مناهج الدراسة ومن خلال زيارة قبورهم خاصة فترة الحملات الانتخابية، وكذلك من خلال إقامة التماثيل والنصب التذكارية لهم، لكن يبدو لي من الأهم أن ينصبّ  الجزء الأكبر من مجهودات الدول وأن يوجّه إلى إنجاز مشاريع تحدد أولويتها حسب تلبيتها واستجابتها لاحتياجات الأحياء من مواطنيها، وإن كانت صفة الحياة لا تنطبق على الكثير منهم، وهنا يدعوني ترتيب الأولويات في بلادي إلى التساؤل عن دور العناية الإلهية ومبعوثها في تحديدها.

فسبحان من أسرى بِمؤلف كتاب المهم والأهم (رئيس الجمهورية التونسية: الباجي قائد السبسي) من غياهب السياسة إلى سدرة قرطاج.

* كان الباجي قائد السبسي، رئيس الجمهورية التونسية الحالي قد أصدر سنة 2009 كتابًا تحت عنوان الحبيب بورقيبة، المهم والأهم.

* قال القيادي في حزب نداء تونس خالد شوكات في تصريح له سنة 2013، أن العناية الإلهية بعثت بالسيد الباجي قائد السبسي لإنقاذ تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد