في بلد كان شرارة انطلاق ثورات الربيع العربي، وفي مشهد أشبه بالأفلام السينمائية، كان قلب الحدث بركانًا غامرًا، نزع فيه التونسيون نظامًا استبداديًّا حكم البلاد والعباد بقبضة من حديد طيلة 23 سنة. رحل «زين العابدين بن علي» وعائلته وأتباعه عن الحكم، فانتشر الأمل في بلادي الخضراء، ظنا أن عهد الظلم والتهميش قد ولى.وأن زمن الحقوق والكرامة قد حل.

ظننا جميعًا آنذاك بأن تونس ما بعد الثورة ستزدهر وستثمر أشجارها فواكه ذات مذاق لم نعهده من قبل، فتعاقب عليها في فترة ليست بالوجيزة (2011 _2016) 3 رؤساء جمهورية و6 رؤساء حكومات وأكثر من 200 حزب. وارتفعت في المقابل شكاوى الشباب من التهميش والبطالة والفقر وغياب العدالة الاجتماعية.

استمرار القمع البوليسي

عانى عشرات الآلاف من التونسيين من القمع البوليسي والموت تحت التعذيب، حيث أكدت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب في آخر تقرير أصدرته شهر مارس 2016، إن ممارسات التعذيب متواصلة في تونس، إذ أكدت تلقيها قرابة 15 ملفًاا تراوحت بين التعذيب والعنف وسوء المعاملة. واستدلت على ذلك بقصة تونسي يدعى «فتحي» تم إيقافه في 3 مارس 2016 للاشتباه في ارتكابه جنحة وتعرضه في مركز الأمن للاعتداء بالعنف الشديد المتمثل في الضرب وتقييد اليدين إلى الخلف والركل على مستوى الصدر مما سبب له أضرارًا جسيمة على مستوى الرأس وانتفاخًا بإحدى أذنيه وزرقه على مستوى عينيه وآثارًا بالوجه وبعدة أنحاء من الجسم. ويبدو أن نشاط فتحي بأحد الجمعيات هو سبب ما حل به من بلايا ومصائب، وفق تقرير المنظمة.

مظاهر القمع و التعذيب في تونس دفعت منظمة العفو الدولية بدورها إلى التعبير عن قلقها إزاء عودة «القمع الوحشي» في تونس في إطار إجراءات مكافحة الإرهاب، متحدثة عن حالات وفاة أثناء الاعتقال وغياب الإصلاحات العميقة منذ 2011. داعية السلطات التونسية إلى عدم استغلال الأمن كـ«ذريعة» للعودة إلى الوراء.

والقمع في تونس ما بعد ثورة الياسمين لم يقتصر على مراكز الإيقاف والسجون بل الاحتجاجات التي شهدتها بين الفينة والأخرى، كان فيها للمحتجين نصيب على غرار ما حصل مع المحتجين سلميًّا في 4 سبتمبر2015 ضد تمرير قانون المصالحة الاقتصادية والمالية المعلن من قبل رئاسة الجمهورية.

الصحفيون أيضًا يعانون من القمع والاعتداءات في كل مرة يقومون فيها بمواكبة حدث أو تظاهرة ما جدت بالبلاد، حيث تعرض أكثر من 30 إعلاميًّا بين صحفيين ومصورين في نوفمبر 2015 خلال تغطيتهم للحادثة الإرهابية الفظيعة التي جدت بشارع محمد الخامس بالعاصمة وأسفرت عن استشهاد 12 أمنيًّا إلى الاعتداء الجسدي واللفظي رغم احترامهم لمسافة السلامة والتقيد بتعليمات الأمن المتواجد لحماية مسرح الجريمة هناك. وفق ما سجله مركز تونس لحرية الصحافة، وهو مايؤكد تضخم الهاجس الأمني الذي تتذرع به القوات الأمنية يومًا بعد يوم ويعيد بن علي ونظامه البائس إلى أذهاننا، إذ أصبح الشعب الذي طالما عشق الأمان والسلم يخشى مجددًا من الدخول في نفق القمع والإجرام بحجة الأمن.

معضلة البطالة

لئن مثلت الثورة طاقة أمل انفتحت أمام الشباب في الحصول على عمل يؤمن مستقبلهم ويحميهم من البطالة فان الأمل سرعان ما تحول إلى يأس واستحال إلى ظلام بعد أن اكتشف بعضهم بان الثورة لم تحقق مطالبهم ولم تستجب الحكومات المتعاقبة لتطلعاتهم. حيث يكاد اليائس من الحصول على عمل السمة الغالبة على العاطلين عن العمل خاصة أصحاب الشهادات العليا، فرغم نداءاتهم المتكررة على مدى أكثر من خمس سنوات. وتنظيمهم لعدة وقفات احتجاجية منددة بوضعهم الاجتماعي المزري بسبب البطالة، خاصة منهم أبناء المناطق الداخلية التي وقع تهميشها في زمن بن علي، إذ ارتفع معدل البطالة في تونس من 12% في 2010 إلى 15.3% سنة 2015. وأكد المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء، الهادي السعيدي، أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 618 ألفًا و800 عاطل موزعين بين 361 ألفا و700 من الذكور أي ما يعادل 12.5 بالمائة و257 الفا و 100 عاطلة عن العمل أي ما يعادل 22.6 بالمائة. مشيرًا إلى أن نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا استقرت في 2015 نسبيًّا في حدود 31.2 بالمائة في الثلاثية الرابعة لسنة 2015 مقابل نسبة 32 بالمائة خلال الثلاثية التي سبقتها ليقدر عدد العاطلين عن العمل من هذه الفئة بحوالي 241.4 ألفا مقابل 242 ألفا في الثلاثية الثالثة لسنة 2015. وقد جاءت ولايات الشمال الشرقي والوسط الشرقي في أسفل الترتيب من حيث معدلات البطالة المسجلة فيها والتي قدرت على التوالي بـ 8.9 بالمائة و 9.9 بالمائة. كما سجلت ولايات الجنوب التونسي أعلى نسب بطالة في الثلاثي الرابع لسنة 2015 بنسبة 26.6 بالمائة في الجنوب الشرقي و22.3 بالمائة في الجنوب الغربي. وفق آخر تقرير للمعهد الوطني للإحصاء.

وبتتالي ضغط الشباب المطالب بالتشغيل واحتجاجاتهم التي عمت مختلف مناطق الجمهورية التونسية من شمالها إلى جنوبها، منها تلك التي هزت محافظة القصرين في يناير2016 وبعد تتالي حالات الانتحار في صفوف العاطلين، بادرت الحكومة بتنظيم حوار وطني حول التشغيل في مارس 2016، وأعلنت في ختامه عن جملة من الإجراءات، كان من بينها: إحداث هيكل موحد يشرف على بعث المشاريع لتقديم جميع خدمات المساندة والإعلام والتمويل والمرافقة المشخصة في مجال بعث المشاريع والترفيع في الامتيازات المسندة لباعثي المشاريع وإيجاد آليات تمويل خصوصية تساعد على بعث مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بالإضافة إلى دفع الاستثمار في القطاعات ذات الطاقة التشغيلية العالية وإقرارها كقطاعات ذات أولوية ووضع حوافز خصوصية مرتبطة بالطاقة التشغيلية وتحقيق القيمة المضافة مع أحداث مجلس أعلى للنهوض بالتشغيل تشرف عليه الحكومة وتشخيص حاجيات المؤسسات الاقتصادية غير الملباة من الموارد البشرية ودراسة أسبابها وتوجيه طالب التشغيل إليها عبر مرافقته مرافقة مشخصة وإعادة تأهيله وتكوينه.

كما تم الإعلان عن إحداث منظومة التأمين على فقدان مواطن العمل لأسباب اقتصادية حسب العقد الاجتماعي وتمتع خريجي التعليم العالي والتكوين المهني الباحثين عن العمل والمنتفعين بالبرامج النشيطة للتشغيل بمجانية العلاج والتنقل.

كل هذه المشاريع التي طرحتها الحكومة لم تبدأ بالتنفيذ بعد وعلى الصيد رئيس الحكومة أن يدرك أن ما أعلنه ينتظر الشباب تنفيذه بفارغ الصبر ويأمل كل منهم أن يكون ممن تشمله هذه المشاريع ويضمن عملًا لو براتب قليل يوفر به حاجياته الأولية، ويقيه من الزحف نحو أوروبا من جهة والوقوع في عالم الإدمان وقبضة التنظيمات الإرهابية من جهة أخرى وبين مطرقة هذا وذاك زهور تونس تذبل.

تردي الوضع الاقتصادي رغم تتالي القروض الدولية

بات الوضع الاقتصادي صعبًا للغاية، حيث ارتفعت نسبة الدين العام من حوالي 40.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2010، إلى حدود 52.7 بالمئة في 2015، وأظهرت بيانات المصرف المركزي التونسي أن العجز في الموازنة التونسية ارتفع إلى 7.9 في المئة من حجم اقتصاد البلاد حتى بداية ديسمبر/كانون الأول 2015.

الحكومة لا ترى مخرجًا من هذه الأزمة إلا بالإبحار نحو البنك الدولي الذي أقرضها من قبل وسيقرضها 5 مليارات دولار على مدار خمس سنوات قادمة، لدعم الإصلاحات الرامية إلى خلق بيئة مواتية لتحفيز الاستثمار وتوفير الوظائف وتكثيف الجهود لدعم المناطق النائية والمهمشة.

ورأت ممثلة البنك الدولي في تونس، إيلين موراي، أن إصلاحات تونس الاقتصادية على الطريق الصحيح، وإن كانت ستستغرق وقتًا، لكنها حثت الحكومة على مواصلة هذه الخطوات في القطاع الضريبي والمصرفي لجذب مزيد من الاستثمارات وخلق مزيد من فرص العمل، خاصة وأن احتياطات المصرف المركزي التونسي انخفضت بما يقارب 10% وهي فترة اعتبرها المسؤولون لا تزال في حدود الأمان، رغم أن إنتاج قطاع الفوسفات والمناجم شهد تراجعًا مهمًّا بسبب الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية.

وأصبح تحقيق نسبة الإنتاج السنوية التي كانت ترمي إليها الحكومة والمقدرة بحدود 6 ملايين طن سنويا، أمرًا بالغ الصعوبة، بعد أن بلغ الإنتاج في العام الماضي نحو 2.8 مليون طن فقط.

كما سجلت الإيرادات السياحية خلال الشهرين الماضيين، تراجعًا بنحو 54.2%، مقارنة بمستواها في الفترة ذاتها من العام الماضي. وهذا التراجع يعود بالأساس إلى الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد.

انتشار ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب والاطفال

أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تقريره السنوي الأخير حول الانتحار ومحاولات الانتحار بتونس للعام الماضي،عن تسجيل 302 حالات انتحار في سنة 2015 مقابل 153 حالة سنة 2014 بتطور بنسبة 55 بالمائة. وارتفاع عدد محاولات الانتحار بنسبة 44.9 بالمائة لتصل مع 2015 إلى 247 حالة مقابل 50 محاولة انتحار في السنة التي سبقتها. أي أن عدد محاولات وحالات الانتحار المسجلة خلال سنة 2015 في تونس تطورت بنسبة 170 بالمائة بعد أن تم تسجيل 549 حالة مقابل 203 حالات سنة 2014. وقد استأثرت محافظة القيروان بالمرتبة الأولى بنسبة 2,16 بالمائة 89 حالة تليها في المرتبة الثانية محافظة بنزرت بـ 9,12 بالمائة 71 حالة فمحافظة قفصة بـ 1,11 بالمائة 61 حالة فيما لم تسجل ولايات الجنوب عمومًا أية حالات أو محاولات انتحار.

كما تطورت حالات ومحاولات الانتحار في الشريحة العمرية 25/16 سنة من 52 إلى 93 حالبة بين 2014 و 2015 أما الشريحة العمرية 35/26 سنة وقد أوضح أستاذ علم الاجتماع عضو المنتدى، عبد الستار السحباني، أن حالات ومحاولات الانتحار شهدت قفزة محيرة من 69 إلى 224 حالة في الفترة ذاتها.

واللافت هنا أن قائمة المنتحرين تضم شبابا وأطفالا وشيوخا بحسب تلك الدراسة،اذ اهتزّ الرأي العام التونسي في الـ17 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 لحادثة انتحار غريبة، حيث وضعت ،شيراز، التلميذة التي لم تتجاوز ربيعها الـ 13 حدًّا لحياتها بعد أن شنقت نفسها في شجرة قريبة من بيتها الريفي بمنطقة «العلا» من محافظة القيروان (وسط تونس)، والتي تعد من المناطق الفقيرة في البلاد.

هذا وإن تمكنت تونس بعد مرور أكثر من 5 سنوات على ثورة الياسمين من تأسيس دستور جديد يكفل الحقوق والحريات وحافظت على هياكل الدولة وسيرت انتقالها الديمقراطي في ظروف سلمية رغم النقائص الاجتماعية والاقتصادية والعثرات الأمنية، إلا أن آفة الإرهاب المتنامية تبقى معضلتها الكبرى خاصة وأنها باتت تشكل هاجسًا وخوفًا على مستقبل الخضراء وآمال شعبها وطموح أبنائها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد