أنا أؤمن بالحرية جدًّا، وأقر بأن الحرية من حق الجميع، ولا بد أن يكون الإنسان حرًّا في كل شيء، يفعل ما يحلو له…

بشرط ألا يخالفني، أو يهدد مصالحي، فإن فعل ما يهدد مصالحي، سيجدني شخصًا آخر.

يبدو أن هذا شعار الديمقراطية الغربية، فكما شهدنا من قبل التعامل الغربي مع أي حركة أو خطوة عربية أو إسلامية نحو الديمقراطية الحقيقية، نراها الآن في الحالة التركية، وكأن العالم الغربي يخبرنا نحن العرب والمسلمين، ويقول لنا اختاروا من شئتم وليصبح كرسي السلطة في بلادكم أي شخص، طالما سيظل مجرد كرسي نحركه كما نشاء، ولكن إن فكرتم مجرد تفكير في التحرك خارج تعليماتنا، فسننسى كل ما دعونا إليه من قيم ومبادئ ما يدعى بالديمقراطية.

فقبل أعوام وقفت الحكومات الغربية صامتة عدة أيام تفكر فيما يحدث من ثورات عربية، وهل يا ترى سيسمح لها أن تحول بلادها إلى بلاد ديمقراطية تسير على خطى تركيا، ويخرج منهم قادة ومسؤولون يحبون أوطانهم ويعملون من أجلها فقط؟!

وكانت الإجابة عن هذا السؤال طويلة ومفصلة جدًّا، حتى إنها استغرقت ما يزيد على ست سنوات، وكانت الإجابة أن لا يمكن أن نسمح لكم أبدًا أن تختاروا من يمثلكم، أو من يعمل لصالحكم، وحتى من أراد أن يخرج عن نص السيناريو الذي كتبه الغرب «سوريا» جعلوا منه مضربًا للمثل؛ إذ اجتمعت أمم الأرض قاطبة على الشعب السوري وجعلته ما بين شهيد أو سجين أو طريد وشريد، ودمرت سوريا بشكل شبه كلي وجعلتها أثر بعد عين حتى تصبح عبرة لمن يفكر مجرد تفكير في حرية أو ديمقراطية.

ولكن مع التجربة التركية يبدو الأمر أكثر صعوبة؛ فبعد محاولات الغرب البائسة لإسقاط الدولة التركية وجعلها كسوريا أو العراق أو حتى كباقي جمهوريات الموز الأخرى، بدا لهم كم أن الشعب التركي أصبح شعبًا واعيًا لا تنطلي عليه أكذوبة الديمقراطية التي يروج لها الغرب، وأصبح يرى الوجه الحقيقي للغرب وكم هو وجه بشع، ولا شك أن محاولة الانقلاب الأخيرة في 15 من تموز – يوليو 2016م شاركت بصورة كبيرة في عملية إسقاط الأقنعة عن كثير من مدعي الديمقراطية وجُلهم من الغرب الديمقراطي، فألمانيا الديمقراطية التي تتغنى دومًا باحترام القانون وحقوق الديمقراطية، والتي كانت من أشد المطالبين بعدم محاكمة أولئك الانقلابيين قتلة الشعب الأعزل، ها هي تأوي بعض الإرهابيين الذين شاركوا في عمليات إرهابية ضد المدنيين الأتراك، وأيضًا هي ملاذ آمن لأعضاء الكيان الموازي أو ما يعرف بجماعة كولن، وتقوم الدولة الألمانية بتوفير كل سبل الحماية والدعم لهم، وفي المقابل تقوم بمنع الممثلين الحقيقيين للشعب التركي من دخول أراضيها، ثم بعد ذلك تتحدث عن الديمقراطية، وأيضًا رغم أن ميركل المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب الديمقراطي، إلا أنها أكبر داعمي الديكتاتوريين في بعض البلدان الشرقية.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في هولندا أو النمسا، وربما تتبعهم فرنسا وباقي دول أوروبا، لكن الشيء الذي أستبعده هو محاولة التدخل العسكري كما حدث في بعض الدول الضعيفة؛ فالوضع في تركيا مختلف عسكريًّا؛ إذ إنها القوة الثانية في حلف الناتو، وأيضًا يصعب عليهم فرض عقوبات اقتصادية، وحتى لو هددوا بإخراج تركيا من الناتو؛ فهو ليس الخيار الأوحد لها، ولذلك قرروا التضييق عليهم عن طريق منع وزراء أتراك من دخول أراضيهم وإلغاء فعاليات جماهيرية، بل وصل الأمر أن بثت قناة«ARD» الألمانية الرسمية التابعة للدولة برنامجًا باللغة التركية، ضد الدستور الجديد والنظام الرئاسي، ومؤيدًا لحملة «لا» للدستور الجديد.

ويبدو هذا في نظري دعاية مجانية للدستور الجديد، وقد يكون دافعًا قويًّا للأتراك كي يصوتوا بنعم للدستور الجديد؛ فدائمًا هذا النوع من التضييق يأتي بصورة عكسية ويثير التساؤلات حول ازدواجية المعايير التي تنتهجها دول أوروبا فيما يتعلق بحرية الفكر والتعبير.

فبينما يتم التضييق على الفعاليات المؤيدة للتعديلات الدستورية، يسمح بتنظيم حملات كبيرة مناهضة للتعديلات، والتي يقودها حزبا «الشعب الجمهوري» و«الشعوب الديمقراطي» المعارضان.

وهنا يطرح سؤال مهم نفسه: هل يصل الأمر أن تتدخل الأنظمة الأوروبية الديمقراطية عسكريًّا إذا فشلت في حملتها الجديدة؟!

والإجابة حسب ظني أن الأيام حبلى بالكثير من المفاجآت وغدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد