عندما طرقت أخبار الانقلاب آذان أبناء الشعب التركي استعمل فراسته وفروسيته معًا، فحرك الفطرة في الإنسان بصيحات المآذن «الله أكبر» وكانت كلمات الأذان تعني أن الأمة حية ولم تمت، برغم كثرة من حاولوا أن يغتالوها، وما زالت فاعلة وهي وحدها من يعزل ومن يقرر برغم كثرة من أرادوا أن يغيبوها، واستجاب الشعب التركي لنداء هويته فنظر إلى الحدث ببصره وبصيرته، فتلاقت وتوحدت الأحزاب كلها على ما كان بينها من خلافات أيديولوجية، حيث أدركت أن الانقلاب الجديد لم يكن مجرد حدث يتغير به النظام السياسي، وإنما هو كارثة تهدد – إن استمرت – مستقبل كل حر.

هنا ظهر ما يسميه المفكر الإيطالي(أنطونيو كرامشي 1891 – 1937) بالمثقف العضوي وهو المثقف الذي يقدم في كل أزمة مصلحة الوطن، ولا يمارس البراجماتية ليحقق مصالحه الخاصة.

وكانت كلمة السر ومفتاح الحركة نداء الرجب الطيب الملهم، فانطلقت صيحات المآذن بالتكبير والأذان في غير أوقات الصلاة، وأضيف إليها صوت طرق أواني المطبخ «ببعضها» وبصيحات المآذن وضجة الهتاف أدرك الناس أن الأمة في خطر، فامتلأت شوارع المدن والقرى ترفرف عليها أعلام الوطن لتعلي من قدر الإنسان وقيمته في مواجهة قوى الهمجية حين تقرر بغرور القوة الخروج على الشرعية والديمقراطية في مغامرة تقبل فيها ليس فقط على تغيير النظام، وإنما على تدمير الوطن وسحق إرادة أبنائه بقوة الجنون العسكري الذى خرج لاغتيال شرعية، يجب أن يحميها ويحتمي فيها فإذا به ينقلب على عقبيه قاتلًا بغير ضوابط، ومدمرًا بغير حدود أو قيود.

الأتراك في لحظات الخطر وقفوا الموقف المطلوب، وأوقفوا الكارثة القادمة من خلف الظلام بسلاح الحقد والتآمر، وسيطرة الجشع، والرغبة المجنونة في اغتصاب السلطة وتكميم الأفواه بدبابة صماء لا تعرف غير القتل والتدمير والحرق.

ذاكرة الشعب كانت واعية، فاستحضروا من تاريخهم معاناة الانقلابات وكربها وبؤسها، فاستدعوا شجاعتهم ليهزموا الخوف وآلة القتل، وذهبوا بأجسامهم وهم يحملون أعلامهم ليوقفوا زحف هذا الشر الذي تسلل ليلًا ليطفئ بظلامه كل ألق يضيء، فقرر الأتراك أن يطاردوا الظلام القادم في الليل الأسود، وقرروا أيضًا أن تبقى المصابيح مضاءة.

ولنا أن نتصور حجم الدماء البريئة التي كان يمكن أن تراق، وحجم الخراب الذي كان يمكن أن يحل بالأمة – لا قدر الله – لو أن هذا الانقلاب قد نجح.

يتذكر المرء هنا لطف الله بالأمة كلها وليس فقط بالشعب التركي، وما لذلك من آثار

على المنطقة وما يدبر لها من مخططات للتقسيم وما يريده ويدبره أعداؤها لما يسمى بمشروع إعادة تقسيم المنطقة.

بعض نخب العرب الأغبياء الذين شمتوا في أردوغان في بداية الانقلاب، فتحوا أنابيب قذارة إعلام الغواية والغدر السياسي وهم لا يدركون حجم الكارثة التي يمكن أن تحل على الأمة وبخاصة – أهل السنة – في حالة سقوط تركيا ونجاح الانقلاب؟ وبدا كأن ما يعنيهم هو ذهاب «أرد وغان» ولو سقطت الأمة بأسرها.دعاء إلي الله بأن يتم نعمته علينا وعلى الشعب التركي العظيم
وتحية لكل الرجال الأحرار الذين وفقهم الله ليأخذوا القرار الصحيح برفض الانقلاب والوقوف بجانب الشرعية والديموقراطية.

تعليقات بعض الصحف والصحفيين التابعين لأنظمة تكره الديمقراطية وتعادي الإنجاز وتعشق ظلام العبودية والاستبداد عكست حالة من المسخ البشري المهين.

فعلى مستوى إعلام النخب الكارهة والشامتة كان المشهد بائسًا إلى أقصى حدود التصور، تجلى ذلك حين أمسك ذوو العته العقلي بأقلامهم ليكتبوا في تحليل الأحداث وتوجيه الناس وتذكيرهم بمساوئ الاحتلال العثماني، وكأن أردوغان يعد جيش سلاطين بني عثمان ليعيد احتلال الدنيا من جديد، وبهذا أثبتت تلك الشاشات أنها في واد والناس والزمان والمكان في واد آخر، هذا العته الإعلامي شكل أكبر فضائح العصر.

ثم أضافت فضائيات الفتنة في السهرات الليلة، إلى أكبر الفضائح أكبر مقابح المرحلة أيضًا عندما وكلت إلى اللصوص مهمة شرح القانون والتهكم على الشرفاء والتنكيل بهم، وشرح مآلات المستقبل بعد أردوغان.

فإذا أضفت لهذا الحمق في هذا الظرف العصيب رؤيتك لذوي العاهات الخلقية والمطعون في عفتهم وعفتهن وهن يشرحن – صحيح الدين في نظرهن – ليربطوه بما يجري في تركيا، وأن ما جرى كان عقابًا من الله للرئيس التركي لمواقفه من بعض الأنظمة الدكتاتورية.

حينئذ تدرك أنه من العقاب الأليم للبشر أن تتسلط على عقولهم شاشة فضائية يسكنها شخص معتوه – مكانه الطبيعي في مصحات نفسية وعقلية وأخلاقية – تعيد إليه شرفه المفقود وإنسانيته المضيعة، وتعلمه أن للناس شرفًا لا يباع، وأن لهم عقولًا لا تستغفل، وأنه من سوء الطالع الشعبي أن يفرضه ويفرض هذه الشاشة عليك نظامٌ يعاني الغباء والبؤس واليأس.

في غمرة الشماتة بـ«أردوغان» أيضًا سقط حتى النخاع إعلام الغواية والغدر السياسي إلى مستوى من الانحطاط غير مسبوق، ولا يوجد له في التاريخ شبيه أو نظير، فخاض في أعراض شريفة، وتناول رؤوسًا ورموزًا أصيلة القدر والقيمة، ما كان لرأس مثله أن يصل إلى مستوى أحذيتها ولو تطاول ملايين المرات.

وإذا رماك سوء حظك لمشاهدة أحدهم ينتابك شعور بالتقيؤ، وتحس أنك أمام حالة من الخسة لا تعرفها الطبيعة الإنسانية السوية في أدبها وتربيتها، فضلًا عن مروءة العرب. كما يتهيأ لك أن فترة المشاهدة التعيسة كانت عقابًا لذنب، فعاقبك ربك عليه، حتى استغاث أحد الظرفاء بربه بعد رؤية حلقة لواحد من هؤلاء قائلًا: اللهم اغفر لنا وارحمنا إذا ساد البغال.

والأشد ألمًا من ذلك كله، أن تجد بشرًا يدافع عن كل هذا الهراء ويبرر كل تلك الفضائح والمقابح والآلام.

على الضفة الأخرى تألق الإعلام التركي وأثبت المهنية والمصداقية حين رفض الخضوع للدبابة وقرر أن يكون سندًا لإرادة شعبه وللحرية عونًا ونصيرًا.

تركيا في تلك الليلة؛ ليلة السادس عشر من يوليو، خرجت فوق الزمان ولم تكن فيه بحساب الدقائق والساعات، فحاصرت فلول الشر في كل ميدان وشارع، وأوقفت سير كل آلة عسكرية تحاول أن تدنس شوارعها وتراب أرضها في كل مكان وفي أي مكان من تركيا غير ميدانها الأصلي، وهو الانحياز لاختيار الشعب والدفاع عن الوطن.

إرادة الشعب منذ لحظات الانقلاب الأولى قررت أن تحاصر الجناة وجنايتهم، وكان نداء أردوغان الملهم عبر «سكايب» كلمة السر ومفتاح الحركة، فانطلق شعب ذاق طعم الحرية ليدافع عنها وينتصر لها، وبذلك ضرب الأتراك للعالم الحر مثلًا ونموذجًا في معرفة القيم ومعناها، إذ أعادوا ترتيب منظومة الحرية ثقافة وسلوكًا، لتكون الحرية في الترتيب هي قِبْلة الحياة وقبلها، ولتكون الكرامة قبل الخبز، وليصبح الشعار عندهم – وعلى غير عادة الشعوب في الدنيا كلها – «حرية، حياة، كرامة، عيش».

قانون الأخلاق في أعلى تجلياته كان هو الحكم بين النظام والفوضى، وكان هو الفاصل بين الخير كله والشر كله، بين الحرية والاستبداد، بين الحق البصير والقوة العمياء، بين شعب متحضر ذي بصيرة، وغريزة وحش حركته أنياب القوة، فاختار الأتراك قانون الأخلاق ليبقى لوطنهم وصف العظمة الحضارية حين تتألق في الشدائد والمحن، وليبقى لشعبهم وصف البطولة في مواجهة المخاطر، مهما كان الثمن وما يبلغ فيه من تضحيات.

أحجار البرلمان التي تناثرت تحت قصف الغباء الانقلابي ستبقى شهادة على نذالة الشر وجحوده لمنجزات بلاده، كما ستبقى رمزًا لإرادة أمة لم تنكسر ولن تنهزم، إنها شهادة القدر بقدرة هذا الشعب على الوحدة والصمود، وتصميمه على مواجهة التحديات رغم تباين واختلاف الأيديولوجيات.

الخامس عشر من يوليو ليس يومًا من أيام التاريخ فقط، بل هو يوم من أيام الله في حياة الشعب التركي يشهد له بعشقه للحرية وعظمة البطولة، والقدرة على استعادة صور الكبار وهم يصنعون لأمتهم أمجادها لتأخذ مكانها بين أيام التاريخ ولياليه.

الخامس عشر من يوليو يمثل انتصارًا لإرادة الخير أمام الهمجية والغدر، يمثل همة الكبار الأعزاء أمام من يستهدفون كرامة الوطن ومصادرة حرية المواطن واختياراته.

الشعب التركي أثبت أنه شعب يستحق التعظيم والتكريم والتقدير قبل الرئيس المحبوب رجب الطيب أردوغان، فقد جرب الحكم العسكري من قبل وذاق الأمرين، وتخلفت تركيا في ظل الانقلابات ورجعت إلى الوراء وانسحق إنسانها، فلما جاءت الديمقراطية وعاش الناس جو الحرية وتذوقوا معنى الاختيار الحر، دافعوا عن حقهم لأنهم أحرار، ورفضوا أن تسرق منهم الحرية مرة أخرى.

رجال الأحزاب الذين تحاملوا على جراحهم، وسموا فوق خلافاتهم، وأبوا أن يكونوا إمعات تحركهم بيادة؛ يستحقون التحية أيضًا لأنهم أثبتوا أنهم شعب عظيم، عندما قرروا القرار الصحيح بالانحياز لاختيارات شعبهم، فرفضوا الانقلاب ووقفوا بجانب الشرعية والديمقراطية.

الوعي الجمعي عند الشعوب هو فيصل التفرقة بين ما يقبل فيه الخلاف، وبين ما هو مرفوض ومجرم، وبذلك أثبت الشعب التركي أنه شعب عظيم حين انحاز للحرية وللرجل الحر والنظام الحر ومن ثم فقد أدرك الفرق بين الحرية والاستبداد.

وبهذا الإدراك العالي في تركيا انتصر الوعي على الخبث والمكر.

وانتصرت الحرية على الاستبداد والقهر.

وانتصرت قيم الأمة على أطماع وجشع أصحاب المصالح.

وانتصرت إرادة الفرد على الطائرة حين تغدر وتخون، وعلى الدبابة حين تتجاوز فتجهل وتعتدي، وتستعمل في غير ميدانها.

ما حدث في تركيا هو امتداد لتاريخ شعب أبي، رفض إلا أن يكون عظيمًا بين الشعوب، ولأمة رفضت أن تكون أسيرة لمدافع الخوف وقذائف طائرة الموت، وقررت أن تكون لها بصمة شرف في كل ميدان تنبئ أمم الأرض من أخبارها.

المفتي العام للقارة الأسترالية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد