يُعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أكثر زعماء العالم زيارة للقارة السمراء في الآونة الأخيرة، فقبل شهر من الآن كان قد قام بزيارة شملت كلًّا من السودان وتشاد وتونس، وكان معه وفد كبير من رجال الأعمال، ما يدل على الأهمية الاقتصادية التي توليها القيادة التركية الحالية لأفريقيا، مع التذكير بأن تركيا ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية ازداد اهتمامها السياسي والاقتصادي والأمني بأفريقيا بشكل متصاعد.

وإذا ما نقبنا التاريخ فسنجد أن الأتراك ليسوا بغرباء عن القارة الأفريقية، وخصوصًا في عهد الدولة العثمانية حيث حكموا أجزاءً منها قرونًا عديدة، بالإضافة إلى ذلك هناك مجموعات ليست بالقليلة تعيش اليوم في دول شمال القارة، على سبيل المثال هناك أسر وعوائل تقطن مصر والجزائر يرجع أصلها إلى الأتراك، وعليه يمكننا القول بجانب الروابط الدينية التي تربط الأتراك بأفريقيا، فلهم روابط اجتماعية بشعوب القارة أيضًا.

وانطلاقًا مما تقدم يمكن القول إن تركيا تحاول جاهدة إعادة تموضعها في حاضنتها الدينية والاجتماعية، والتي عزلت نفسها منها عقودًا عدة، وخصوصًا بعد أن وصلت علاقتها بدول الاتحاد الأوروبي إلى حد القطيعة، ولذلك نرى تركيا اليوم تسعى بكل جهد إلى تقوية أواصر علاقتها بدول القارة الأفريقية، في كل المجالات وفي صدارتها الاقتصادية، وأما عن الأسباب التي تدفع تركيا إلى إعطاء أهمية كبرى للقارة الأفريقية في الوقت الحاضر، فيمكن لنا ذكر الآتي:

الأولوية للاقتصاد

كما هو معلوم تتمتع القارة الأفريقية بموارد طبيعية كثيرة، دفعت القوى العالمية والإقليمية إلى التدافع عليها، حيث نشهد هناك سباقًا محمومًا بين هذه القوى من أجل الظفر بمواردها، وتأسيسًا عليه تريد تركيا أن تقوي نفوذها الاقتصادي في القارة، من خلال زيادة استثماراتها في دول القارة، لذلك نراها وقعت سبع اتفاقيات اقتصادية مع الجزائر أولى محطات أردوغان.

ملء الفراغ الذي سيحدثه عزل إيران

 هناك مساعٍ إقليمية ودولية للحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ نرى أن هذه المساعي قد آتت أُكلها في بعض الساحات الإقليمية، على سيبل المثال بعد إعلان المملكة العربية السعودية تحالف «عاصفة الحزم» في اليمن، تمكنت من الحد من النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأفريقي بشكل كبير، وخصوصًا في السودان التي كانت تتمتع بعلاقات جدية مع إيران في فترات سابقة، ونتيجة تقلص النفوذ الإيراني في هذه المنطقة، أتاح الفرصة لبعض القوى الإقليمية كتركيا أن تنفذ في هذه المنطقة، وأيضًا بعد أن تمكنت السعودية من إبعاد إيران من منطقة القرن الأفريقي، تحول صراع النفوذ الإيراني–السعودي إلى موقع آخر، ألا وهو الجزء الغربي من القارة.

وبالطبع تضافر الجهود الإقليمية والدولية سيؤدي إلى الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة المعنية، وخصوصًا بعد أن ترسخت بعض القناعات لدى دول الغرب الأفريقي بأن إيران تلعب دورًا سلبيًا في أمنها القومي والاجتماعي، من خلال مشروع نشر المذهب الشيعي في القارة، وبالتالي العمل على احتواء النفوذ الإيراني هناك، وبالطبع تركيا على غرار ما فعلت في الشرق الأفريقي ستحاول استغلال الفرص السانحة لتقلص النفوذ الإيراني هناك، ومن خلال التعجيل في بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية بالدول المعنية بالزيارة الأخيرة، والتي ستسعى إلى زيادة نفوذها في القارة.

تكوين أحلاف جديدة في المنطقة

هناك قناعة راسخة لدى القيادة السياسية التركية، بأن الأزمات التي يعاني منها العالم الإسلامي يرجع سببها إلى التشظي الحاصل في بلدانه، وأن حل هذه الأزمات يكمن في تكوين حلف إسلامي يجابه هذه الأزمات، لذلك كانت محاور اللقاء الرسمية التي عقدت خلال هذه الزيارة قد تمركزت حول المشاكل الحاصلة في العالم الإسلامي، وكيفية إيجاد الحلول لها.

وبالمجمل تعتبر القارة الأفريقية ساحة صراع نفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بحكم مواردها الطبيعية وموقعها الجيو-استراتيجي الذي يربط طرق التجارة العالمية بعضها ببعض، ولعلم تركيا بأهميتها نراها تحاول اليوم أن تقوي أواصر علاقتها بدول القارة، من خلال تبادل الزيارات الرسمية، وزيادة حجم التبادل التجاري بينها، وبالتالي علينا قراءة الجولات التي يقوم بها الساسة الأتراك حاليًا، في سياق البحث عن مناطق نفوذ جديدة، وفضلًا عن مزاحمة الدول الأوروبية في مناطق نفوذها، من أجل الضغط عليها في ملفات أخرى، والتي يأتي على رأسها الملف السوري، أو حتى فيما يتعلق بموضوع العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي.

كل هذه الأسباب تدفعنا للقول إن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من الانغماس التركي في الشأن الأفريقي، خصوصًا أنها كما ذكرنا سابقًا منطقة تتصارع فيها القوى الإقليمية، والتي يأتي على رأسها (إيران – إسرائيل – السعودية – مصر)، وبالتالي تسعى تركيا إلى أن تكون طرفًا فاعلًا في توازنات القوى الإقليمية في أفريقيا، انطلاقًا من إيجاد مسارات جديدة للعلاقات مع دول هذه القارة، والتي يأتي على رأسها الشراكات الاقتصادية الضخمة التي نسجتها تركيا مع معظم دول القارة الأفريقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد