لابد على أي شخص، سواء كان متتبعًا للشأن التركي أم لا، أن يكون قد تبادر إلى مسامعه، ولو بشكل ضئيل، خبر محاولة الانقلاب الفاشل الذي كان يهدف غلى قلب نظام حكم السلطان. لكن شاءت الأقدار الإلهية أن يكون مصير هذا الانقلاب الفشل .

فمن هو المتهم الرئيس بتدبير هذا الانقلاب؟

منذ الساعات الأولى لبدء تمرد بعض عناصر الجيش، وفرار «أردوغان» إلى وجهة غير معلومة، توجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى المعارض التركي «فتح الله كولن»، الذي يعتبر من أشد المنتقدين لسياسات أردوغان الداخلية، بعدما كان من أكبر مؤيديه. لقد كان أوج الخلاف بين حزب «العدالة والتنمية من جهة» وكولن من جهة أخرى سنة 2013 ؛ عندما انفجر ملف الفساد في تركيا، وكاد يعصف بحكومة أردوغان آنذاك؛ ليتهم الداعية  الإسلامي بمحاولة زعزعة استقرار البلاد، لكن على الرغم من كل هذه الضجة كان هناك سبب رئيس منع السلطات التركية من إلقاء القبض على كولن.

ألا وهو أنه يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وحسب القانون الدولي، فإنه لا يلزمها بتسليم كولن إلا في حالات استثنائية، كثبوت جريمته، سواء باعترافه، أو عن طريق وثائق وأدلة تسلمها تركيا لأمريكا، وهذا ما لم يحصل لحد الآن. وعدم تسليم الولايات المتحدة كولن لتركيا زاد من تأجيج التوتر بينهما، على خلفية ما اعتبرته هذه الأخيرة تسترًا أمريكيًا على الإرهاب. متاعب كولن مع السلطات التركية بدأت في 18 يونيو (حزيران) عام 1999 عندما غادر إلى الولايات المتحدة، وعندما تحدث في التلفزيون التركي، وقال كلامًا اعتبره البعض انتقادًا ضمنيًا لمؤسسات الدولة التركية. وبعد ذلك بدأ المدعي العام للدولة تحقيقًا في تصريحات كولن، وساعتها تدخل رئيس الوزراء التركي آنذاك «بولنت أجاويد»، ودعا الدولة إلى معالجة الأمر بهدوء، بدلًا من فتح الموضوع للنقاش على المحطات التلفزيونية التركية، كما دافع عن كولن، وعن مؤسساته التعليمية، وقال «مدارسه تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتعرف تركيا بالعالم. مدارسه تخضع لإشراف متواصل من السلطات». بعد ذلك اعتذر كولن علانية عن تصريحاته، إلا أن بعض العلمانيين ظلوا متشككين في أهدافه، ولاحقًا وجهت له اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش.

ما هي أهدافه ومن يدعمه؟

حسب فتح الله كولن، فإن أهدافه تتمثل في بناء دولة تركية ديموقراطية منفتحة مع الحفاظ على حقوق الأقليات، وبناء علاقات قوية مع الغرب مبنية على المصالح المشتركة .أول ما يلفت النظر في كولن هو أنه لا يفضل تطبيق الشريعة في تركيا، حيث يقول الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الأقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وأنه لا داعي لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام. ووفقًا لهذا يعتقد كولن أن الديموقراطية هي أفضل حل. كما أن كولن لا ينظر إلى العالم العربي وإيران، بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم أقليات تركية هامة، وهو يرى أنه إذا كان لتركيا ـ يومًا ما ـ أن تعود لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية، فلابد من نفوذ قوي لها وسط الأتراك في كل مكان في العالم. لكن كولن من «البراغماتية» والذكاء بحيث لا يستخدم تعبير «القيادة التركية» في المنطقة، كما لا يدعو إلى استقلال الأقليات التركية في وسط آسيا، ولا تمارس جماعته أنشطة تعليمية في البلاد التي يمكن أن تتعرض فيها الأقلية التركية لمشاكل من قبل النظم الحاكمة، مثل الصين وروسيا واليونان. وقد لاقت مواقفه ترحيبًا كبيرًا من الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة التي رأت فيه ذلك الداعية الإسلامي المعتدل يرشد المسلمين إلى طريق الإسلام الحقيقي المعتدل، دون تطرف أو تشدد.

بينما تعتبر السلطات التركية كولن معارضًا سياسيًا له أهداف سياسية بحتة، ألا وهو الوصول إلى سدة الحكم، بالرغم من أنها لم تشأ ـ في البداية ـ الدخول في سجال معه، خصوصًا في عهد رئيس الوزراء التركي آنذاك «بولنت أجاويد» حين أمر بتسوية ملف كولن في هدوء، لكن سرعان ما تحول هذا الهدوء إلى تبادل الاتهامات. وتعتبر الجماعات العلمانية داخل تركيا وخارجها أبرز المعارضين لسياسات كولن، وتعتبره مثالًا حيًا للتشدد والتطرف الذي يهدد تركيا.

 وما كان أاثير هذه المحاولة  على تركيا سواا داخليًا أم خارجيًا؟

بعد ساعات من إعلان فشل الانقلاب، تهاطلت التصريحات من السياسيين الأجانب التي يدعون فيها إلى التمسك بالشرعية، وعدم إراقة الدماء. وما لفت الانتباه هو انتقاد هذ الانقلاب الفاشل من جهات كانت تعتبرها تركيا عدوًا أو شبه عدو لها، مثال على ذلك: النظام السوري، الذي شجب هذا الانقلاب الفاشل، ودعا النظام التركي إلى المعاملة بالمثل، وسحب الاعتراف من المعارضة السورية المسلحة. كذلك روسيا التي دعت على لسان وزير خارجيتها «فلاديمير بوتين» إلى ضبط النفس، وتجنب إراقة الدماء، والحفاظ على الشرعية في تركيا .

لكن ما أثار الاستغراب في هذه المواقف الخارجية هو تدخل حزب «العمال الكردستاني» على الخط، ودعوته إلى عدم سيطرة الجيش على كرسي السلطة. في جانب آخر أتت زيارة أردوغان إلى «الكريملن»، وقراره الدخول في الحرب السورية، كوقع الصاعقة في نفوس المتتبعين للشأن التركي، خصوصًا بعد تأكيد الرئيس التركي عدم نيته تقديم اعتذار للحكومة الروسية في أعقاب إسقاط الجيش التركي للطائرة الروسية.

هذا في الجانب الخارجي، أما في الجانب الداخلي، فقد اتخذ الرئيس التركي مجموعة من الإجراءات، أبرزها تفكيك الحرس الرئاسي، وجعل الجيش، ومديرية الاستخبارات، تحت تفويضه، كما أصدر مذكرة اعتقال في حق ما يقارب 100 ألف شخص بينهم قضاة، وعناصر من الجيش والشرطة والاستخبارات وصحفيين…إلخ، كما طرأت عدة تغييرات في الجيش التركي، وكل هذا في سبيل عدم تكرر مثل هذه الانفلاتات في تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد