لا ينتهي أي استحقاق تمر به تركيا إلا وترى تفاعل منصاتنا العربية مع الحدث، كأنه حدث تمر به مدننا التي أثخنت فيها جراح الاستبداد وسوطه الشديد المؤلم على ظهور الخارجين على الواقع والثائرين على الظروف، فالعرب الذين لم يجدوا قدوة «بلسانهم العربي» يمموا وجوهم شطر إسطنبول الساحرة متخذين زعيم الأتراك الجدد زعيمًا وملهمًا فهو من وجهة نظرهم تارة النجاشي المخلص الذي فتح البلاد على مصراعيها للمكلومين في شتى بقاع الأرض، وتارة أخرى سيف العدالة المسلول على الطغاة وأعوانهم، تسارع الأحداث والملمات والمصائب قسمت البيئة المسلمة إلى تيارين لا ثالث لهما، إما أنت في صف الثورات المضادة العربية وأما أن ترى نفسك مع تركيا ومن معها، كان يكفي أن تنظر إلى تعليقات العرب المنتظرة لما ستؤول له الأمور ليلة 15 من يوليو (تموز) 2016 لتدرك أن المشهد التركي تداخل بشكل غير مسبوق مع ساحاتنا العربية المحبطة وتحديدًا منذ انطلاق قطار الربيع العربي وما تبعه من أحداث.

لا يخفى على أي متابع أن التيارات الإسلامية العربية تحديدًا كانت قطار الانطلاق الشعبي الذي لعب دورًا في تقديم «الحالة الأردوغانية» على أنها التي تحمل مشعل التغيير وعودة الأمجاد وساهمت في إبراز النجاحات التركية على مستوى النهضة السياسية والاقتصادية واندماج المجتمع التركي بكل أطيافه ومكوناته مع تلك النهضة العارمة وغير المسبوقة في المجتمعات المسلمة بعد سقوط الدولة العثمانية، وأذكر أنني حضرت في العام 2011 ندوة حوارية نظمتها جمعية إسلامية في بيروت استضافت فيها شخصية تركية، وقد شارك في تلك الندوة أحد مؤسسي التيار الإسلامي في لبنان بمداخلة عن شخصية أردوغان التي جمعت المتناقضات الفكرية والاجتماعية في عملية ارتقاء مستوى الحياة للمواطن التركي دون الالتفات لانتماء أي مساهم في هذه العملية وأهمية إشراك المرأة في الحياة العامة والعمل المجتمعي فهي الركيزة الأساسية في البناء الحضاري للأمم، لكن التناقض اعترى الندوة نفسها حيث المشاركات في تلك الندوة خصصت لهم مقاعد خلفية دون الاهتمام بمستوى المشاركات على الصعيد العلمي أو الفكري، وحدها مصيبة إجلاس المرأة في المقاعد الخلفية دليل صارخ على تناقض الكلام وقائليه في تلك الندوة.

يغيب أحيانًا على جمهور التيار الإسلامي أن أردوغان نفسه خرج من عباءة الخطاب التقليدي الخشبي لحزب الرفاه والذي لم يفلح في صياغة مشروع تتقبله الساحة التركية وذلك لعدم احتضانه لكل أطياف الشعب، كان خطاب الرفاه موجهًا حينها لجمهور الملتزمين دينيًا كأقرانه في الأقطار العربية والمشرقية تحديدًا، مما جعل أردوغان ورفاقه المتمردين على الأستاذ «أربكان» أمام حل جذري وهو تأسيس حزب سياسي يتأقلم مع علمانية تركيا المتوارثة عبر عقود، فهم أردوغان أن هوس المصطلحات والتشبث بقصص التاريخ حينها لا تعينك على بناء دولة تفرض نفسها لاعبة أساسية بدل أن تكون «كعلاقة المفاتيح» والتي تسيرها الولايات المتحدة خلفها إلى الحروب والاقتتال وافتعال الأزمات، لذا ولد يومها حزب العدالة والتنمية الذي يقوم على دراسات اقتصادية وتنموية وسياسية، وليس على تراكم شعارات لا تبدل الحال، بل تعيده إلى الخلف في إطار إنتاج العملية نفسها دون جدوى.

لم يقتنع المشرقيون الإسلاميون إلى اليوم أن الاندماج الاجتماعي وتحديث الآليات المتبعة في الاستقطاب العام وتحرير الفرد المسلم من التفكير أن العالم كله يتآمر علينا لن يصنع تجربة حضارية تستهوي الناس لخوض غمار التغيير والتنمية عبرها، يكفيك أن تنظر لتعليقات بعضهم عن تجربة حركة النهضة التونسية وخطابها وترشيحاتها الأخيرة لتدرك أن التناقض وصل حده من الضياع، نسي هؤلاء المهللين بفوز أردوغان وانتصاراته المدوية أنه يضم في حزبه آلافًا من النساء غير المحجبات وأنهن يتولين مناصب عليا في الدولة والحزب والمؤسسات المؤيدة، نسي هؤلاء القوم أن الرجل الذي يرفعون صوره ويكتبون تحتها عبارات الثناء والتمجيد هو نفسه الذي يعتمد على سياحة الشواطئ في رفع النمو الاقتصادي وزيادة السياح، أم أن الغنوشي من كوكب آخر لا يعاني ما تعانيه ثقافة شعوبنا.

أردوغان يا سادة أحرج تناقضكم العبثي، وفضح تراجعكم غير المحمود في تقبلكم لمشاكل مجتمعاتكم والمحاولة في إيجاد أدوية عقلانية لأسقامها الأخلاقية والاجتماعية، وفضح فيكم غياب الرؤية الحكيمة في استيعاب الناس والسماع لهواجسها، أنتم يا سادة دون أن تشعروا تلعنون الظلام بدلًا من إشعال شمعة الاحترام وتقبل الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد