نخبتها منطوية على ذاتها، وسياستها عدم الانحياز، تركيا دولة المابين آسيا وأوروبا، يحدها من الشمال البحر الأسود وجورجيا، ومن الشرق أرمينيا وإيران، ومن الجنوب العراق وسوريا والبحر المتوسط، مع حدود بحرية مع قبرص، ومن الغرب بحر إيجة واليونان وبلغاريا، أنشئت على يد مصطفى كمال أتاتورك، قائد الضباط القوميين بعد الحرب العالمية الأولى، وعملوا على توطيد الدولة وتحقيق السيادة الوطنية. منذ تسلمه الحكم حتى وفاته سنة 1938 وضع أتاتورك نصب عينيه ملامح الشعب التركي، والمبادئ والقيم التي ينبغي أن تبنى عليها الدولة المستقلة الحديثة، الصناعية وأوروبية التوجه.

وبفضل قوته الشخصية، وسيطرته على تركيا، وتبنيه السياسة الاستبدادية، تدفق سيل من التشريعات الاجتماعية والثقافية، أدت إلى تغيير المظهر التركي الخارجي. منعت ملابس شرقية معينة، وحلت الأبجدية اللاتينية محل الأبجدية العربية، ودعا للابتعاد عن التعبير الظاهري للتقوى، وأكد على مركزية الهوية التركية، بصرف النظر عن أصل الشعب، وأصبح بذلك إعلان الفرد نفسه مواطنًا تركيًّا شارة اعتزاز وفخر، ومفتاح الانتساب الكامل للدولة.

بعد وفاة كمال بقيت تركيا بعيدة عن السياسة الاستبدادية باتجاه المزيد من المشاركة السياسية الأوسع والتعددية، لكن استبعاد البنى السياسية البالغة التشدد والتقيد ساعد في نسف المعتقدات القديمة عن صورة التركي، وأفرز موجة قضايا العرقية والقومية من ناحية، ومسألة الدين والعلمانية من ناحية ثانية، بالرغم من التأكيد على الهوية لتمويه الانقسامات التي تكاد تكون خافية، وبوسعها أن تترك أثرًا تقسيميًّا على الدولة التركية الحديثة.

هذا التنافر انتقل إلى المستوى الرسمي، فقد التف دستور 1961 حول مسألة الانقسام العرقي بالقول «إن كل مواطن تركي في الدولة التركية هو تركي»، وكإشارة إلى الأكراد صيغة تعابير ملطفة كالمواطنين الشرقيين، أو الأتراك الجبليين، ولا يوجد أي اعتراف رسمي بتمايزهم على الأتراك عرقيًّا أو ثقافيًّا، بسبب عدم الشعور بالاطمئنان، فالأكراد يمثلون الأكثرية في ثمان ولايات في الجنوب الشرقي من تركيا بجوار الحدود الإيرانية العراقية، بوصفهم الأقلية الكبرى؛ إذ هناك أقليات أخرى ذات أهمية.

فالعلويون بوصفهم أقلية دينية أوثق صلة بالشيعة، يعانون كراهية من قبل السنة بوصفهم أشد سوءًا من الكفار، بل امتد الكره إلى ارتكاب مجازر دموية بحقهم؛ مما دفع الناشطين منهم سياسيًّا إلى العلمانية واليسارية، وقيام الوعي القومي. لذلك كانت مهمة أتاتورك في نسف الإسلام كقوة في إطار السياسة والمجتمع في الجمهورية التركية الجديدة، كما هاجم الروحية الإسلامية من ثلاثة جوانب، فقد أسكت المؤسسات والمنظمات التي قامت لتعزيز سيطرة الإسلام على مختلف جوانب الحياة؛ فأغلقت المدارس الإسلامية، وألغيت الجمعيات الدينية، واستبدلت الرموز الشكلية للإسلام والطبيعة الشرقية برموز ذات طبيعة مسيحية وأوروبية، وغير النظام القانوني التركي الذي كان يقوم على الإسلام إلى النظام المدني.

بعد زوال الإمبراطورية العثمانية لم تعد الأناضول قلب الدولة بل الدولة نفسها، وبالرغم من اتساع أراضيها وتموقعها على أطراف القارات الثلاث المهمة سياسيًّا: أوروبا والشرق الأوسط والكتلة الروسية في الاتحاد السوفيتي، كانت تركيا لا تلعب دورًا محوريًّا في شؤون المنطقة، ويرجع ذلك إلى سياسة أتاتورك المتمثلة في الانطواء على العمق التركي مما جعلها منعزلة، ومع ذلك لم تكن بعيدة عن التطورات الأخرى في العالم، فقد حقق أتاتورك علاقة طيبة مع الاتحاد السوفيتي في العشرينات من القرن الماضي، وأدخل تركيا في حلف روسي «تحالف البلقان».

هذه العزلة الجغرافية أفرزت شكوكًا من لدن جاراتها؛ فإيران بوصفها قوة وإمبراطورية سابقة ما تزال تنظر إلى تركيا بوصفها المنافس الأول على السلطة والنفوذ في الشرق الأوسط. حتى انضمام تركيا إلى حلف الناتو لم يكن سوى خيار تكتيكي لمواجهة التوسع السوفيتي.

لمواجهة عزلتها سعت تركيا للدخول في عدد من التجمعات الشرقية والغربية، فهي عضو في المجلس الأوروبي وفي حلف الناتو من ناحية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي من ناحية أخرى، تحت شعار تركيا جزء من المجتمع الاسلامي والعلماني، إضافة إلى الاعتماد على مواردها والعمل من أجل الاعتماد على نفسها إلى درجة أكبر، وعدم تخليها عن سياسة عدم الانحياز مما جعلها في موضع ريبة وشك من قبل جاراتها مستمدة من ذلك هيبتها.

بالنسبة لعلاقتها مع العرب، ما يزال الإرث التاريخي الموسوم بالخيانة من طرف العرب يحول دون إنشاء تركيا أي علاقة مهم، فمع اقتراب زوال الإمبراطورية العثمانية في زمن الضعف، بدأت الإمبراطورية في تعزيز تغلغلها في مناطقها عسكريًّا حتى يكون لها استعداد كبير لاستخدام الجيش لفرض السلطة المركزية بصورة أشد حزمًا، هذه الإصلاحات التي تمت في منتصف القرن التاسع عشر والتي تزامنت من فترة بزوغ التنظيمات وأفكار القومية العربية الآخذة بالتفشي بين المثقفين العرب، أفرز احتكاكًا ذا بعد عربيًّا متزايدًا داخل الإمبراطورية، إذ كانت السياسة الحكومية أشد قمعًا وندًّا لليبرالية، في الوقت الذي تبنى فيه العرب الناشطون سياسيًّا ثقل هذه السياسة فاضطرت التكتلات السياسية العربية الناشئة إلى العمل سرًّا.

الأجواء السياسية الفاسدة في الإمبراطورية، وانطواء النخبة على ذاتها، وتجاهل لغايات وطموح العرب في الإمبراطورية، أشعل فتيل الحقد لدى العرب، حين نشوب الحرب العالمية الأولى صورتها الإمبراطورية صراعًا بين الوحدوية الإسلامية والقوى المسيحية فمالت جميع الرعايا العثمانية إلى قبول التصنيف باستثناء شريف مكة مؤسس المملكة الحجازية الهاشمية وأول من نادى باستقلال العرب من حكم الدولة العثمانية. ولد في إسطنبول سنة 1270هـ ـ 1854م حينما كان والده منفيًّا فيها، فتعلم باللغة التركية وحصل على إجازات في المذهب الحنفي. عاد إلى مكة وعمره ثلاث سنوات. قاد الثورة العربية الكبرى متحالفًا مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية لجعل الخلافة في العرب بدل الأتراك في 1916 ولقب بملك العرب «الذي استغل الصراع لتعزيز طموحاته السلالية لقيادة دولة عربية مستقلة».

تطلب الأمر مراسلات سرية مع بريطانيا لتعلن الثورة العربية الكبرى سنة 1916 لتنهار الإمبراطورية العثمانية بسرعة بعد نهاية الحرب، وظهور جمهورية تركية جديدة بقيادات مختلفة وبأيديولوجية شديدة الاختلاف. لذلك ما يزال الشعب التركي ينظر إلى ما فعله العرب كعمل خيانة كبير، أما الجانب العربي فيلقي اللوم تخلفهم على الإمبراطورية، إذ حرمت الأقاليم العربية من أي اعتمادات، وتحولها إلى أنحاء أخرى من الإمبراطورية تحت ما يسمى بالاستغلال الاقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد