يجب النظر لهذه المسألة بطريقة براغماتية أكثر، الحديث عن أن تركيا ترعى الإرهاب حديث يصل إلى السذاجة، والحديث أن ليس لتركيا إرادة في مشروع المنطقة أيضًا يتعدى السذاجة إلى درجة الهبل.

بعد أحداث سوريا كان من الواضح استدراج تركيا إلى المشهد السوري المعقد، والذي تشترك به تركيا بالقضية الكردية، فمن الواضح أن أول مناطق تحررت من النظام السوري وسكنت كانت المناطق الكردية، والتي أعلنت بوقتها أنها ستكتفي بتحرير أرضها، وليس لها علاقة بالنظام السوري ولا بالمقاومة التي شكلت في حينها تحت مسميات عديدة منها الجيش السوري الحر، كما الحال حين فصل إقليم كردستان عن العراق في عام 1991.

في هذا الوقت كان من الضروري صيانة الأمن القومي التركي، من خلال ضمان وحدة الأراضي السورية، لتفادي قيام إقليم كردي مستقل في شمال شرق سوريا، يتواصل جغرافيًّا وجيوسياسيًّا مع الإقليم الجنوبي الشرقي لتركيا جنوب شرق الأناضول، والذي يسيطر عليه الأكراد، ويسعى إلى الانفصال عن تركيا، ونحن هنا ليس بصدد الكلام عن حق تقرير مصير لأي طرف في هذا النزاع، بل الحديث عن الإرهاب الذي كان يراد به أن يطال تركيا وأتبعه محاولة فاشلة للانقلاب.

ولعل أكبر دليل على أن الأمريكيين كانوا يضمرون الشر لتركيا عندما ورطوها مع روسيا في حادثة الطائرة، بعد أن فوجئت أمريكا من التقارب الروسي التركي في زيارة بوتين قبل ثلاث سنوات في نهاية 2012 وعندما قال بوتين: «لن تكون هناك أية خلافات بشأن الوسيلة لحل المسألة السورية ولقد طورنا أفكارًا جديدة خلال اجتماعنا مع رئيس الوزراء التركي بشأن ما سوف نفعله»، وأكد بوتين أن بلاده لا تحمي «النظام في سوريا ولا تدافع عنه، بل العكس من ذلك ما صنعته روسيا بالقضية السورية، وتخلت  الولايات المتحدة والناتو عن تركيا في أزمتها مع روسيا في حادث إسقاط الطائرة.

اليوم تنجو تركيا من أكبر محاولة انقلاب عرفها التاريخ؛ فبضع دبابات وعشرات الضباط والجنود وبيان رقم واحد في إذاعة محلية كان يكفي لانقلاب على حكومات، وأضف إليه إخراجًا سينمائيًا لمظاهرات كما حدث في مصر العائدة إلى حضن الأمة قريبا بإذن الله؛ فعشرات الطائرات المقاتلة والمروحية تقصف في سماء العاصمة أنقرة وإسطنبول وعشرات الدبابات والمدرعات تجوب الشوارع وتحاصر الأبنية الحكومية الرئيسية في البلد وبيان يلقى من القناة الحكومية الرئيسية بأنه انقلاب واستعادة للديمقراطية! ويسأل سائل ويشمت شامت ويقول: هل دفع أردوغان ثمن سياسته في سوريا؟ لا شك في ذلك على الإطلاق، وهذا ما يمنحه وسام شرف عند من يفهمون لغة الأخلاق والقيم، ويقرأون معطيات الواقع بإنصاف، فالذين أشعلوا النار وألقوا الأشواك في دربه إنما كانوا يتحركون على أساس طائفي وحزبي أيديولوجي، ولو أنه كان النجاح السياسي والاقتصادي يلغي الحساسيات العرقية والطائفية والأيديولوجية، لكان الطبيعي أن يحصد أردوغان في انتخابات الدول العربية والاسلامية 90% من أصواتها، واليوم لو أجريت انتخابات في تركيا لحصد 80% من الأصوات بعد أن أزيحت الغشاوة عن المتبقي من الشعب التركي.

لو تعرضت أية دولة لأزمات كما تعرضت لها تركيا في الخمس سنوات الماضية لتفتت هذه الدولة، وعلى العكس فهي بين انتصار اقتصادي وسياسي وآخر علمي، فبعد أن أخرج حزب العدالة والتنمية الأتراك من كابوس الدولة العميقة ليتنفسوا الصعداء، دخلوا إلى دوامة الكيان الموازي الذي ما زال يضع العصى في عجلة تقدم تركيا مع معارضة أصبح همها الوحيد إزاحة اردوغان ولو كان على حساب استقرار البلد.

وها هو الإرهاب الذي يقاد من استخبارات دول عظمى يضرب تركيا في السنة الأخيرة، بعد أن عجزت القوى العظمى أن تورط تركيا بشكل مباشر لاستنزافها كإيران والسعودية، والهدف بات معروفـًا، تشكيل حكومة ضعيفة كحكومات الفشل لدينا وإقامة ائتلاف بين حزب العدالة والتنمية وبقية الأحزاب لإدارة البلد بشكل مخل بالسيادة والأمن الوطني.

واضح اليوم أن الأتراك تعلموا الدرس وأتقنوا اللعب مع الكبار، فهذا الحراك السياسي مع إسرائيل وروسيا أيقظ مضاجع المعارضة والأقلام اليسارية الصفراء، وأقلام معسكر الثورة المضادة في الدول العربية، فهي تعلن نفسها دولة مصالح وسياسة انفتاح على كل الدول، وتسعى لتقليص الخلافات والنزاعات بينها وبين جيرانها مهما كانت، ولتنفيذ خطة 2023 التي تجعل تركيا من الدول القوية في العالم عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وعلميًا، ولا تنسى نصيبها من الدنيا، في وقت لا تكاد أن تنفك عن العمل برسالة للأمة ككل في نصيبها الآخر.

ما تزال تركيا نموذج إلهام وتطلع للشباب العربي والمسلم المحبط من تبعية مهينة، ومن فشل وإحباط تترجم إلى فقر وجهل وظلم ومعتقلات وإرهاب وهجرة قاسية، لا سيما أنها فتحت أبوابها للمضطهدين من جميع الجنسيات، واستقطبت إسطنبول كل الكفاءات؛ فتركيا اليوم بالتحديد مستقلة تمامًا عن الإرادة الأمريكية فلا نزايد على أحد إن أحب تركيا وسياستها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد