يجمع الكل على أن الرقصة الجيوسياسية الكبرى التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة حرجة، وتغيرات سريعة تميزها الحرب الأهلية في سوريا التي يؤججها الغرب والقوى الكبرى في المنطقة. إلى جانب الانتقال السياسي المضطرب الذي صاحب ما يعرف بالثورات العربية قي كل من مصر واليمن، والصراع العربي الإسرائيلي المستمر. ما جعل المنطقة على وقع إعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية وإعادة تحديد الأدوار بين كل من تركيا وإيران بوصفهم لاعبين رئيسيين في الخريطة الإقليمية في الشرق الأوسط.

ومن ناحيتها، تبذل أنقرة أكبر قوة بحرية في الشرق الأوسط، جهودًا ضخمة لتكون مركز الطاقة في الشرق الأوسط وبلد الترانزيت، من خلال إنشاء خط أنابيب غاز تمتد من قزوين عبر آسيا الوسطى متصدية بذلك لمحور إسرائيل – قبرص اليونانية، كما قد لوحت إلى استخدام القوة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية في المنطقة، واعتبار الحرب الأهلية السورية جزءا لا يتجزأ من صراعها على المكانة الإقليمية في المنطقة. وإلى جانب ذلك تجمع تركيا بإسرائيل علاقات وطيدة عنوانها الضرورة الأمنية، وباطنها المصلحة الاقتصادية وخدمة المصالح الأمريكية. كما تسعى تركيا للعب دور الصديق مع الأنظمة العربية، وتبني مواقف معادية لكل من إسرائيل وإيران، ويعود الفضل في ذلك إلى واقعها الجيوسياسي متعدد الأقاليم (البلقان – آسيا – الشرق الأوسط – أوروبا) وعضويتها في الحلف الأطلسي الذي انضمت إليه عام 1951 من أجل احتواء التهديدات الشيوعية، ولهذا السبب يحاول الغرب بالوسائل كافة، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، تشجيع تركيا للتوجه نحو الغرب وتعمل جاهدة على قبولها في منطقة الاتحاد الأوروبي، كما قد حاولت الولايات المتحدة التقرب من تركيا لعزل إيران في المنطقة بحيث تقوم بمد أنابيب النفط من بحر قزوين إلى تركيا والبحر المتوسط من دون المرور بإيران، ومحاصرة إيران بجمهوريات كأذربيجان، وفصل المنطقة الأذرية الشمالية وكردستان ومنطقة الأحواز.

ورغم أن تركيا تعد حليفًا رئيسيًّا للغرب في الشرق الأوسط، ولكن أهداف ومصالح تركيا في التقرب من الجمهوريات التركية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، لا تنسجم مع الإستراتيجية الغربية، وبالأخص الأمريكية الجديدة في المنطقة. وبهذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربية بالضغط على تركيا من خلال دعم خط أنابيب غاز يمر عبر إسرائيل وقبرص اليونانية ما يعني قطع الطريق أمام تركيا. كما قامت بالتقرب من إقليم كردستان العراق وهو بمثابة تهديد المصالح التركية، وبعث أحلام انفصال كردستان الشمالية عن تركيا وإقامة دولة كردية على الأراضي التركية العراقية.

ولأن تركيا مهددة أكثر من أي وقت مضى من طرف الغرب الذي يعول على إسرائيل أكثر في المنطقة للسهر على مصالحه، ومن جانب آخر تسعى إيران للعب دور منافس للدور التركي في المنطقة، يبقى أمام أنقرة احتمالان وحيدان هما:

  1. الاستمرار في لعب دور الخادم للمصالح الغربية في المنطقة، ومشاركتها في المؤامرة الكبرى التي يتعرض لها الشرق الأوسط، وذلك بتأجيج الأوضاع في الدول العربية ورعاية الأقليات، ما سيؤثر على المصالح التركية في المنطقة.
  2. التخلي عن دورها كمتسول يبحث عن مكانة لدى نادي الغرب، واستئناف الدور الريادي التاريخي الذي كانت عليه الإمبراطورية العثمانية.

ولأن الغرب يرفض فكرة انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، رغم إلحاح الولايات المتحدة على ذلك. يبقى الاحتمال الثاني الأقرب إلى صناع القرار في تركيا الذي سيجعل تركيا تسترجع مكانة الإمبراطورية العثمانية، رغم أن هذا الاحتمال يستدعي تحقيق بعض الشروط منها:

  1. الانسحاب من حلف الشمال الأطلسي، لأن هدف الانضمام إلى الحلف كان من أجل احتواء التهديدات الشيوعية، لكن اليوم زال هذا التهديد نهائيا، وبقائها عضوًا في الحلف يضر بمصالحها.
  2. الانسحاب من الحلف الأمريكي – الإسرائيلي – التركي (التنسيق الأمني الكبير بين هذه الدول إلى جانب مشاريع إنتاج وتطوير الأسلحة والقيام بمناورات عسكرية مشتركة).
  3. الكف عن التسول لدى الغرب وطلب الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي الذي لا يتوافق مع الهوية التركية.
  4. التقرب من الجمهوريات التركية السابقة المنبثقة عن تفكك الاتحاد السوفيتي (أذربيجان، تركمانيا، قيرغيزيا…).
  5. التنسيق مع الأنظمة العربية الصديقة وبناء تحالف معها.
  6. حل المشاكل الحدودية والقضية الكردية مع كل من العراق وإيران وسوريا.
  7. عدم التدخل في الأزمة السورية، ولعب دور الوساطة بين النظام السوري والمعارضة لحل الوضع في سوريا لأن الأزمة السورية تؤثر سلبًا على تركيا.
  8. التقارب مع إيران ما سيسمح بإنشاء خط أنابيب يمر عبر إيران والعراق ويمر إلى أوروبا عبر تركيا، ما يجعل منها بلد الترانزيت، خاصة في ظل العلاقات التجارية المهمة بين الطرفين فقد وصلت المبادلات التجارية بينهما في 2013 إلى 6.14 مليار دولار. كما أن تركيا هي أكبر زبون للغاز الإيراني، فهي تستورد ما يقارب 90 بالمائة من صادراتها كل عام.
  9. إنشاء تحالف تركي – روسي – إيراني لما له من مصالح اقتصادية مهمة، خاصة أنابيب الغاز والبترول، فخط أنابيب Bludtream الروسي التركي الذي كان ثمرة العقد الموقع عام 1997 بين تركيا وروسيا من أهم الخطوط في العالم.

تلعب ورقة الانقلاب العسكري الأخير على أردوغان، والذي تفوح منه رائحة التواطؤ الأمريكي – الأوروبي، ورقة مهمة في معادلة التحالفات السياسية الشرق الأوسطية، والترتيبات الإقليمية والدولية التي تنذر بتصدع التحالفات القديمة، وإنهاء السيطرة الأمريكية على المنطقة وعلى العالم ككل. وهذا ما يتجلى في التفاهم التركي – الإيراني – الروسي الذي أصبح محورًا مهمًا ينهي هيمنة واشنطن على منطقة الشرق الأوسط، ويعيد ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد