لم يكن انخفاض الليرة التركية نتيجة ضعف في الاقتصاد التركي، أو نتيجة عدم استقرار سياسي؛ بل كان عملًا منظمًا يأتي في سياق الحرب على تركيا، والتي بدأت ملامحها منذ تظاهرات تقسيم 2013، ولم تتوقف عند الانقلاب العسكري 2016. فصول من حرب مستمرة، ولكنها تتقلب بين مظاهر مختلفة، وأساليب شتى، وتقودها أطراف لم تعد خافية على أحد؛ إذ اجتمع فيها الخبث الأمريكي والعداء الصهيوني والمال العربي، فضلًا عن الأطراف المتداخلة في هذه الحرب الشعواء من أطراف داخلية وأخرى إقليمية!

المعركة الحقيقية بين تركيا بقيادتها الحالية والغرب، مشكلة تبدو مركبة ومعقدة في آن معًا، فتركيا جزء من حلف الناتو، والقوة الثانية فيه، ولكن دورها السابق في مواجهة الاتحاد السوفيتي قد انتهى -عمليًّا- منذ انهيار حلف وارسو، وهي الدولة المسلمة الطامحة لدخول الاتحاد الأوروبي، فهي مقبولة غربيًّا ما دامت تطبّق العلمانية السلبية تحت إشراف العسكر، علمانية تتخذ من حرب الدين سبيلًا، ولا تكتفي بفصل الدين عن الدولة؛ بل بفصل الدين عن المجتمع، وهي مرغوب بها إن بقيت تمثل الدولة الوظيفية في المنطقة، وكل حلمها أن تدخل الاتحاد الأوروبي، ولكنها متخلفة اقتصاديًّا أو غارقة في الفساد، وتحتاج لمسكنات وجرعات اقتصادية حتى تظل في هذا النمط، ولا مانع من ديمقراطية تتحكم فيها الدولة العميقة بحيث تبقي التنافس الحزبي مفتوحًا، ولكنها لا تغير في أساسيات وجود تركيا بوصفها دولة بهذا الشكل المراد لها، وربما أسوأ منذ أن تمّ تكبيلها باتفاقية لوزان 1923!

لقد شكل النهوض التركي قلقًا لدى الغرب، وكان مقبولًا في بدايته ما دامت النهضة التركية محلية، أو أنّها لا تتطلع لإعادة تركيا دولة كبرى في العالم، أو أنّها تطمح لأبعد من ذلك، حتى جاءت ثورات الربيع العربي حين بدت تتشكل صورة ما في ذهن الغرب تستجلب في ذاكرته الجمعية صراعًا امتد عقودًا طويلة، فثمة بقعة تمتد من الأطلسي حتى البوسفور ستكون نمطًا واحدًا، أو بصورة أدق ستلعب عدة عوامل على إعادة تجميع بلدان تلك البقعة في أنموذج إسلامي، وسيكون هذا الفضاء «الإسلامي» منسجمًا في كل شيء، فكل ما يحتاجه للنهضة أنظمة حكم صالحة تعمل لرضاء شعوبها وليس لرضاء كفلائها، وهنا سيكون البحر المتوسط بحيرة بين حضارتين خاضتا صراعًا طويلًا انتهى بتقسيم المنطقة بعد إلغاء نظامها السياسي الذي استمر 14 قرنًا، ولا بدّ أنّ هذا التغيير يعني هدم البناء الرسمي العربي وكذلك الإقليمي، ليكون الغرب أمام بناء جديد يلبي طموحات أبناء هذه المنطقة التي فُرض عليها التقسيم والأنظمة المستبدة، وزرع في قلبها كيان غريب، فضلًا عن التخلف، وضعف التنمية، والحالة الاستهلاكية، والبطالة، وامتهان كرامة الإنسان.

حين اندلعت ثورات الربيع العربي، كان البديل الطبيعي للأنظمة المنهارة: الإسلام أو ما يُطلق عليه حركات الإسلام السياسي، فهذه الحركات كانت «النظام» المستبعد والمحارب من تلك الأنظمة، وقد شكل النهوض التركي دافعًا قويًّا للمطالبة بأنظمة تضع التجربة التركية أمام عينيها وتفيد منها.

لم يكن الموقف التركي الرسمي بعيدًا عن طموحات الثائرين العرب، فقد ساندت تركيا ثورات الربيع العربي ولكنها وقفت ضد التدخل العسكري في ليبيا؛ لأنها رأت أنها ستكون حربًا من أجل الطاقة، وحين وصل الإخوان إلى حكم مصر قدّم لهم الرئيس أردوغان مجموعة نصائح وأهمها البدء بالترتيب الداخلي قبيل الانتقال للقضايا الخارجية، وألّا يستعجلوا في ترسيخ النظام الإسلامي فهو «مسلم، يحكم بلدًا علمانيًّا»، وهي رسالة واضحة: أنّ الشعوب عاشت تحت ظل حكم علماني عسكري عقودًا طويلة، وأنظمة أفسدت الأنفس ونمّطت المجتمعات بوسائل مختلفة، وخاضت حربها الفعلية ضد الإسلاميين، ولهذا لا بدّ من التدرج!

ثم جاءت الثورات المضادة وبدأت بالدولة العربية الأكبر «مصر»، لتبدأ مرحلة أخرى، مرحلة رأى فيها كثير من المحللين أنّها تهدف لإعادة إنتاج الأنظمة المتهاوية والمحافظة على البناء الرسمي العربي، وهذا يتطلب تأديب الشعوب الثائرة، وسحق الثائرين، صاحب هذه الثورات إعلام ضخم ممول خليجيًّا يعمل على شيطنة «الإسلام السياسي»، ويوجه أسهمه نحو تركيا، ولم تكن تركيا بعيدة عن تلك الموجة التي ضربت بلدان الربيع العربي، فتوالت فيها القلاقل والمشكلات، فكانت اعتصامات ميدان تقسيم، والتي روّج لها الإعلام العربي «المضاد» على أنّها ثورة ضد أردوغان، أو الصراع مع التنظيم الموازي المدعوم أمريكيًّا، كذلك التفجيرات التي حصلت في المدن التركية سواء من داعش، أو حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه)، والمحاولة الانقلابية الفاشلة، أو دعم قيام جيب كردي بقيادة «بي كيه كيه» في الشمال السوري بدعم أمريكي خليجي، والتلاعب في سوق البورصة، وأخيرًا ضرب الليرة التركية!

إن الحقيقة التي يجب ألّا يهرب منها المسؤولون الأتراك أن الحرب قائمة، ولكنها متنوعة الأساليب، وكل ذلك يأتي بسبب النجاحات الباهرة التي حققتها تركيا وتحولها إلى أنموذج بأعين المسلمين، ولا شك المنطقة العربية، فكان لا بدّ من تدمير تلك التجربة سواء من الداخل أو الخارج، ومنعها من الوصول إلى 2023 حين تصبح من أهم 10 اقتصادات في العالم.

فحرب الليرة لن تكون آخر الفصول، فهناك حرب أخرى تعمل على ضرب السياحة التركية بترويع السيّاح الخليجيين أن تركيا بلد غير آمن، فضلًا عن حرب إعلامية غربية تصوّر أردوغان ديكتاتورًا قاتلًا في أسلوب مشابه لما تعرض له السلطان عبد الحميد، هذه الأمور وغيرها تصاعدت عقب التسخين مع إيران، مشهد يؤكد أن طبول الحرب التي تقرع مع إيران هي في الواقع ضد تركيا، فما زالت إيران أداةً خشنة بيد أمريكا سحقت من خلالها الثورة السورية، ودمّرت العراق، وأغرقت اليمن في فوضى، وجعلت لبنان إحدى ملحقاتها، ويمكن استخدام الصراع الوهمي معها للتغطية على معركة أخرى في مكان آخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!