إلى متى الخصام الكردي التركي؟ سؤالٌ يطلُّ عليَّ كلّما رأيت شموخ جبال طوروس من مدينتي عامودا الوقعة في الشمال الشرقي من سوريا، وبالتحديد على الحدود التركية السورية. تلك الحدود التي لعبت وتلعبُ إلى الآن دور الحكم بين طرفيه، فمنذ انطلاقِ الثورة السّورية وتحديدًا عند دخول الأكراد على الخطّ، بدأ التوجّس والتخوّف التركي من هيمنة الأكراد على كامل الشريط الحدودي. وحصولهم شيئًا فشيئًا على كيانٍ مستقل في سوريا، خاصةً أنّ من تفرّد بدفة الحكم والسيطرة على المناطق الكردية في سوريا هو حزب الاتحاد الديمقراطي p y d والّذي تتهمه أنقرة بأنّه النّسخةُ السّورية من حزب العمال الكردستاني pkk والمصنّف على قائمة الإرهاب التركية وبعض الدول الغربية.

ومع ظهور القوة العسكرية لهذا الحزب المتمثّلة بوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، بدأت المخاوف التركية تزداد. مخاوفٌ دفعت بتركيا إلى تحجيم بل القضاء على هذه القوات بشكلٍ غير مباشر، عندما دخلت «جبهة النصرة» وبعض فصائل الجيش الحر آنذاك في أواخر العام 2012 إلى مدينة رأس العين من المعبر الحدودي بين تركيا وسوريا في المدينة، لكن تمكنت وحدات حماية الشعب من صدّ الهجوم والتقدّم لمساحات واسعة، ولعل المحاولة التركية الأخرى ظهرت بشكلٍ أقل ولكن أخطر، عندما رفضت تركيا دخول مدينة كوباني حين حاصر تنظيم الدولة «داعش» الوحدات الكردية فيها من كلّ الجهات.

ولعلّها كانت الضّارة النافعة بالنسبة للأكراد الّذين أقنعوا بشكلٍ أو بآخر التحالف الدولي بقيادة واشنطن، بمساعدته فتم إلقاء الأسلحة لهم ودخلت قوات البيشمركة الكردية من إقليم كردستان على الخط. ليعلن الأكراد طرد تنظيم الدولة «داعش» من المدينة. هذه المتغيرات بالذّات فتحت شهية واشنطن على فكرة الاعتماد على حلفاء محليين فتم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية من المقاتلين العرب والكرد، ولتبدأ تركيا فصلًا جديدًا من محاولات إجهاض التقدم الكردي في سوريا.

ولعل المحيّر لي ككردي ولغيري من الأكراد، هو الازدواجية التركيّة في التعامل مع الملفّ الكردي في سوريا والعراق فهنا خصام وهناك وئام!! فتركيا المتخوّفة من كيانٍ كردي في سوريا تتعامل مع كيانٍ كردي (إقليم كردستان العراق) معاملة دولة وتعلم تمامًا فوائد مثل هذه الصيغة المشتركة للعيش مع الأكراد، لأنّ معظم الشركات التركيّة تستثمر هناك في إقليم كردستان وتعود بالفائدة للطرفين. أمّا في سوريا فإنّ التعامل بذهنية عدائية من قبل حزب العدالة والتنمية تجعل من كلّ تركيا عدوةً لكلّ الأكراد، فلو نظرنا عن قرب إلى السياسة التركيّة وسرعة انخداعها من قبل أصدقائها الغرب، لرأينا حزب العدالة والتنمية الحاكم يتّبع سياسات متناقضة. سياسة حزب وليست سياسة دولة على سبيل المثال مقارنة أردوغان وبعض المسؤولين في حكومته تركيا بالوحدات الكردية في سوريا وفي أكثر من مناسبة، حين يطالبون أمريكا الاختيار بين هذه الوحدات وتركيا. رغم أنّ الكثير من الأحداث والوقائع أثبتت لهم بأنّ واشنطن متمسكة بالوحدات الكردية في حربها ضد الإرهاب، لكنّ أردوغان يتمسّك بنفس المطالب فيتراجع أحيانًا ويهدد أحيانًا وبين الحينين تسير قوات سوريا الديمقراطية بخطى متسارعة نحو تحقيق الكثير من المكاسب وبدعمٍ قوي من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. ما جعل تركيا تدقّ ناقوس الخطر وتدخل جرابلس لتمتد إلى مدينة الباب وتتجه صوب منبج فتجد المارينز الأمريكي يحمي مرةً أخرى حليفه الكردي، ولتعلن تركيا نهاية درع الفرات التي بها دخلت جرابلس وكأنها أدركت صعوبة الطلاق بين الأكراد والأمريكان.

ثم جاء الاستفتاء الرئاسي في تركيا ليدخل باعتباره عنصرًا جديدًا في المعادلة، فبعد فوز أردوغان بالاستفتاء ذهبت تركيا بنفس الأساليب القديمة لتغيّر المعطيات الجديدة، وكأنّ الاستفتاء كان إذنًا لأردوغان بالتدخل أكثر في سوريا وبهذه الذهنية الحاكمة قصفت الطائرات التركية منطقة قره تشوك في مدينة ديريك حيث قواعد وحدات جماية الشعب التي خسرت قرابة عشرين من مقاتليها حسب مصادرها.

ثمّ تابعت تركيا قصف أرياف عامودا والدرباسية والقامشلي على طول الحدود التركية السورية، في مشهدٍ أنذر بحربٍ مفتوحة لكن سرعان ما تدخلت القوات الأمريكية على الخطّ. فبدأت تسيير دورياتها على طول الحدود، وسط غضب تركيٍّ شديد ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ بل نشرت القوات الروسية أيضًا دورياتها على الحدود السورية التركيّة في مدينة عفرين ما أدى إلى استغرابٍ تركي وسط علاقات مميّزة بين موسكو وأنقرة.

وقد تزامنت الضربات التركية في سوريا مع قصف آخر هناك في إقليم كردستان بالتحديد في شنكال وخسرت البيشمركة على إثرها عددًا من قواته وسرعان ما اعتذرت تركيا من حكومة إقليم كردستان عن تلك الخسائر. لتتبين الازدواجية التركية بل التخبط التركي في التعامل مع المسألة الكردية عمومًا وفي سوريا والعراق خصوصًا، ورغم هذا وذاك لا يزال أردوغان يتربّص فرصة أخرى للقضاء على الوحدات الكردية في سوريا. ولعل هذه الفرصة ينشدها في زيارته لواشنطن ولقائه بترامب، لقاءٌ تم إفراغه من مضمونه من قبل الكونغرس حين قرر تسليح قوات سوريا الديمقراطية والاعتماد عليها في معركة الرّقة.

تركيا لا تستوعب ولا تريد أن تستوعب فكرة التعايش مع حكم ذاتي كردي في الشمال السّوري، الّذي أصبح أمرًا واقعًا فالأفضل لتركيا وشعبها البناء على علاقة منفتحة على أكراد سوريا ولهم في تجربة أكراد العراق ما يشفع لهم. ولعل بعضًا من هذه المقترحات ظهرت مؤخرًا في الصحف التركية نفسها ومناشدات من الداخل التركي، لأن صيغة العيش المشترك أفضل خيار بقي أمام الحكومة التركية، فالمنطقة بدأت مرحلة جديدية وبخرائط ومتغيرات جديدة على الجميع استيعاب المرحلة والوقائع والتعايش معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد