سيأتي اليوم الذي ستقف فيه أوروبا على أعتاب الدولة التركية يطلبون منها القروض والمساعدات، أو دفع الجزية مقابل الحماية. ورغم عدم رغبة الدول الأوروبية في انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، فإن متغيرات السياسة الدولية والإقليمية سيحتم عليها القبول المر بانضمام تركيا.

التعنت مع تركيا ترجع أسبابه إلى أسباب أيديولوجية نظرًا إلى أن تركيا مسلمة وجميع أعضاء الاتحاد مسيحيون، رغم علمانية الدول الأوروبية التي تسمح بتعدد الأعراق والمعتقدات.

أوروبا تنهار من داخلها (انهيار ديموغرافي أيديولوجي وانهيار اقتصادي تنموي)، وكذلك أمريكا ستنهار بزوال سيطرتها على المنطقة العربية، وما يحدث من تغيير في المشهد السياسي الإقليمي وبدايات انحسار النظم العسكرية المستبدة، وعدم قدرتها على فرض السيطرة على الحكم في البلاد، وفشل السعودية والإمارات في كل مخططاتهما، وتورطها في حرب اليمن وليبيا، وعلو صراخهم، وانسحاب أمريكا وأوروبا من دعمهم شيئًا فشيئًا، ومحاولة تلك الأنظمة اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة في إدارةالصراع، كل ذلك مؤشرات فشل وليس دليل نجاح.

إن ما يفعله النظام البائد في مصر من محاولة إغراق الجيش المصري في حرب ليبيا، وإنهاك الشعب المصري بالفقر، وتوحش قيادة الجيش في البزنس، وتوريطهم جميعًا في الفساد، وضمان عدم تراجعهم بمزيد من المكاسب المادية، وفشله في جر الدولة المصرية إلى احتراب داخلي يؤدي إلى استنزاف وإضعاف قوة الدولة المصرية وتفكيكها داخليًّا، كما كان مرسومًا ومخططًا له عن طريق عسكرة الثورة المصرية، كل ذلك لن يؤدي إلى ما يخططون له.

فشلت كل تلك المخططات التي تنبهت لها المعارضة المصرية الشريفة للحفاظ على الدولة المصريه من مصير مجهول، ونجحت في إفشال مشروع الفوضى الخلاقة في المنطقة العربية الذي كان مخططًا له من أجل إحكام السيطرة على المنطقة العربية بصورة أكبر.

أصبح ذلك النظام عاريًا تمامًا أمام الشعب المصري متورطًا وحده في الفساد والانهيارات الداخلية لتتمايز المواقف وتنكشف كل الوجوه، حتى في صفوف المعارضة في الخارج.

إننا أمام مشهد عبقري بامتياز صنعه ثبات رجال لديهم رؤية من فقه الواقع بصورة عملية وواقعية سياسية هادئة من دون ضجيج، ماذا تبقى للمعتقلين من مبادئ حتى يرفضوا التخلي عنها مقابل حرياتهم إن لم يكونوا مقتنعين تمامًا بطبيعة المواجهة ومسارها ونهايتها؟!

إننا أمام جيل فريد متميز يصنع من محنته تاريخ أمته، فليست المواجهة قاصرة على مجموعة عساكر منقلبة على الشرعية، ولكن الأمر ممتد لمصير أمة بأسرها.

أرض المعركة الحقيقية في فلسطين القدس، وأجنحة المعركة التي يحتدم منها الصراع في مصر وسوريا، وما الضربات المجنونة في سوريا المنهكة إلا هيستيريا خوف من تولد جناح مقاوم للاستبداد (الخوف من استنساخ نموذج لحماس في الأراضي المحررة).

والتوحش والتخريب في مصر والهرولة إلى الصراعات العسكرية في ليبيا، وتحويلها إلى ساحة قتال عالمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سيطرة على المنطقةالعربية، ما هو إلا محاولات أخيرة لاستعادة السيطرة، ولن تنجح بإذن الله وبركاته.

عندما تتصارع ست دول في ليبيا منذ زمن ومن أجل حماية المصالح في ظل صمت الجميع، يتم افتضاح أمر تلك الدول بمجرد تدخل تركيا على خط المواجهة، والحد من أطماع تلك الدول، وطلب مصر بالتدخل الأمريكي احتجاجًا على ظهور تركيا في المواجهات.

أفشلت تركيا خطط الجميع ووضعتهم أمام مسئوليتهم الدولية، وأعادت شرعية المواجهة لتغليب حق الحكومة الشرعية في طرابلس في عقد تحالف عسكري مع تركيا للقضاء على المليشيات الدولية المسلحة على الأراضي الليبية، صبرًا فإن بعد العسر يسرًا وإن مع العسر يسرًا، وإن غدًا لناظره لقريب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد