نبذة تاريخية عن صعود وأفول الدولة العثمانية

عاشت الدولة العثمانية 661 سنة، وهي أطول الدول الإسلامية عهدًا، والدولة الوحيدة التي استطاعت الهيمنة على أجزاء شاسعة من أوروبا وآسيا وإفريقيا في آن واحد. ويعد فتح القسطنطينية 1453م على يد السلطان محمد الفاتح من أعظم الفتوحات التي مهدت لبداية عصر عظيم أصبحت فيه الدولة العثمانية دولة عالمية، تمكنت من السيطرة على معظم أوروبا. كما تمكن السلطان سليم الأول من ضم البلاد العربية بعد أن هزم الصفويين شر هزيمة في موقعة جالديران 1514م، ثم جاء بعد ذلك ابنه السلطان سليمان القانوني ليكمل ما بدأه أبوه؛ فأكمل ضم البلاد العربية والأوروبية، ثم تمكنت الدولة العثمانية بعد ذلك من السيطرة على البحر المتوسط.

يتفق المؤرخون على أن عظمة الدولة العثمانية قد انتهت بوفاة السلطان سليمان القانوني 1566م، إذ فُتح الطريق من بعده لسلاطين ضعاف سقطوا بالدولة إلى الهاوية، إلا أن الانتكاسة الحقيقية كانت عام 1699م، عندما وقعت روسيا والنمسا والبندقية وبولونيا معاهدة كارلوفجا مع الدولة العثمانية، وعن هذه المعاهدة يقول المؤرخ فرنارد جرينارد: «إن عام 1699 من أهم الأعوام، إذ انتقلت الهيمنة الشرقية إلى أوروبا».

ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك التدهور ابتعاد السلاطين عن جوهر الإيمان والمنهج الإسلامي الأصيل، كما ظهرت بوادر الإهمال والتساهل في تدريب الجيوش، وانتشر الطمع والفساد والانغماس في حياة الفسق، إلى جانب الامتيازات التي مُنحت للأجانب، وجعلت لهم الحق في التدخل في شوؤن الدولة الداخلية.

ثم جاءت معاهدة كيتشوك كاينارجي 1774م بين روسيا والدولة العثمانية لتكون بداية النهاية، وطريق للضعف والاضمحلال، حيث نزلت بالدولة العثمانية من القمة إلى القاع، وأنهت سيطرة الدولة على البحر الأسود والمضايق.

وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت التنظيمات العثمانية التي تدعو للتغريب والعلمنة في الظهور؛ مما زاد من اضمحلال الدولة وانهيارها، وقد أخذت هذه التنظيمات تروج إلى الرأي القائل بأن الدولة إذا ما أخذت بأشكال الحكم الأوروبية فإن ذلك سيجعلها تلقائيًّا دولة قوية وحديثة. وقد ظهرت جمعيات مثل جمعية «الاتحاد والترقي» التي كانت تسعى للقيام بثورة على السلطان عبد الحميد الثاني بحلول عام 1908م، مستغلة القوانين التي أصدروها لتقييد السلطة المطلقة لسلاطين الدولة العثمانية.

تسلم زعماء «الاتحاد والترقي» زمام الأمور في الدولة العثمانية، إذ تنحى السلطان عبد الحميد عن الحكم وسادت الفوضى كل مناحي الحياة، وقد اعتمد برنامج هذا التنظيم الماسوني على التغريب، وإحلال المؤسسات القومية التركية محل المؤسسات الإسلامية.

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى 1914م، تم توقيع سلسلة من المعاهدات استهدفت تقسيم الدولة، أبرزها معاهدة دارين 1915م، ومعاهدة سايكس بيكو 1916م -التي تم بموجبها تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات قومية-، ومعاهدة سيفر 1920م، والتي تخلت الدولة العثمانية بموجبها عن جميع الأراضي العثمانية التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية. في تلك الأثناء ظهر مصطفى كمال أتاتورك الذي عقد اتفاقًا مع روسيا، حيث اعترفت فيه بشرعية أتاتورك فجرد الخليفة من صبغة السلطان، ثم ألغى مؤسسات الخلافة عام 1924م، وأجبر آل عثمان على الرحيل من تركيا نهائيًّا، لتقوم بذلك الجمهورية التركية على أنقاض الدولة العثمانية متخذة من العلمانية مبدأ لها في الحياة.

تركيا ومخاوف أسلمة أوروبا

مما سبق يتضح أن العلاقة بين أوروبا والدولة العثمانية ظلت على صفيح ساخن لأكثر من قرنين من الزمان، ولم تهدأ أوروبا إلا باستعادة الأراضي التي بسطت الدولة العثمانية نفوذها عليها، وسقوط الخلافة. لذا مهما حاولت تركيا المعاصرة أن تتعامل مع أوروبا بوجه علماني صريح، فإن أوروبا لن تنسى أبدًا لتركيا وجهها العثماني التي ظلت خاضعة له قرونًا طويلة، خاصة في ظل وجود حزب كالعدالة والتنمية في الحكم، الأمر الذي يجعل من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي مهمة مستحيلة. فانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يعني (انتصار الاقتصاد على الثقافة) على حد تعبير بنديكت السادس عشر، بابا الفاتيكان السابق، والمقصود بالثقافة هنا طبعًا الثقافة المسيحية.

فتركيا بالنسبة لأوروبا تمثل تهديدًا للهوية الأوروبية المسيحية ومستقبل الأجيال القادمة في القارة العجوز التي تواجه نقصًا متزايدًا في عدد السكان؛ لارتفاع متوسط الأعمار فيها، إذ لا يتعدى النمو السكاني لدى الأوربيين 1.5%، بينما يزيد على 2.5% لدى المسلمين المتواجدين في أوروبا؛ مما جعل اليمين الشعبوي الأوروبي وبعض الأحزاب الفاشية هناك يتحدث عن «الخطر الإسلامي المحدق»، ولا سيما التركي، فالجالية التركية هي أكبر جالية أجنبية في أوروبا. فالوضع إذًا أشبه بالغزو دون حرب؛ فقد أكدت دراسة أجراها معهد بيو حول المسلمين في أوروبا أنه من المتوقع أن تصل نسبتهم إلى حوالي 8% من سكان أوروبا بحلول عام 2030.

و إذا نظرنا إلى وضع الأتراك في ألمانيا -باعتبار أن ألمانيا وحدها يوجد بها ما يقرب من 3 ملايين نسمة ينحدرون من تركيا- مثالًا على شكل التواجد التركي في أوروبا، فقد أظهر استطلاع للرأي في 2016 أجراه قسم الدين والسياسة في جامعة «مونستر» أن 47% ممن شملهم الاستطلاع من المسلمين ذوي الجزور التركية يوافقون على جملة «اتباع التعاليم الإسلامية أهم بالنسبة إليّ من قوانين الدولة التي أعيش فيها». (1) من ناحية أخرى نجد أننا نستطيع التفريق بين العرب والمسلمين الأتراك بكل سهولة، فالعرب أنفسهم «يحسدون الأتراك على تغلغلهم في قطاعات عمل أكثر تأثيرًا مثل البناء والتشييد والصناعة إلى جانب التجارة، حيث يتكاتف الأتراك معًا بدرجة أكثر تنظيمًا من العرب، ويبدون استعدادًا أكبر للاندماج الأوروبي، وأغلبهم يعيش من دخل عمله وليس من إعانات البطالة واللجوء». (2)

ومن أهم المؤسسات التركية الإسلامية في ألمانيا «اتحاد الجمعيات الإسلامية التركية»، كذلك مسجد سيتليك في برلين، ومسجد الفاتح في مدينة إسن، ذلك بالإضافة إلى دعم وتمويل المساجد في أوروبا لخلق نفوذ ثقافي وسياسي لتركيا داخل تلك البلاد، وحتى يربط تركيا أكثر بمواطنيها هناك.

ولعل هذا الوضع الذي يعيشه معظم الأتراك في أوروبا يعيدنا مرة أخرى إلى الكيفية التي ينظر بها الأوروبيون إلى مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وما يمثله ذلك عليهم من خطر، لأنه في حال انضمامها، فإن ذلك سيمثل ثقلًا كبيرًا على الصعيد البشري؛ لأن تركيا ستكون ثاني أكبر دولة بعد ألمانيا في الاتحاد الذي يجب أن يظل ناديًا مسيحيًّا، وبذلك سوف تتبوأ تركيا مركزًا قياديًّا داخل الاتحاد يجعلها مرجعية لجميع المسلمين، وهذا يزيد من مخاوف أوروبا من تأثير الثقافة الإسلامية في سكان أوروبا، فبالرغم من علمانية أوروبا فإنها لم تتمكن من أن تمحي الثقافة الإسلامية من الأتراك أنفسهم.

كل ما سبق يفسر لنا لماذا تظل تركيا على مقعد الانتظار في الاتحاد الأوروبي في حين دخلت دول أخرى دون أن تستوفي كامل الشروط المطلوبة لدخول الاتحاد. فالعقبة الأساسية إذًا أمام دخول تركيا الاتحاد هي هوية الشعب التركي الإسلامية. ولعل تصريح المفوض الأوروبي الأسبق للسوق الأوروبية الموحدة، فريتز بولكشتاين بأن «قبول تركيا في المنظومة الأوروبية معناه التفريط بدماء وأرواح الذين دافعوا عن فيينا عام 1683م أمام الزحف التركي الإسلامي». (3) خير دليل على ذلك.

تركيا ومخاوف علمنة العرب

بنفس القدر الذي تحرص فيه تركيا- أردوغان على مواجهة أوروبا بوجه علماني، نجدها تحرص من حين إلى آخر على تذكير العرب بوجهها العثماني، إلا أن ذلك غالبًا ما يتصادم مع علمانية أردوغان التي دومًا ما يؤكد عليها، وإن كان يحاول أن يقنع المسلمين بأنه لا يضع العلمانية في مقابل الدين، وإنما يجمع بينهما في تركيبة عجيبة من خلال مشروع إصلاحي، بحيث يمكننا أن نجد ما يسمى بمجتمع مسلم دون دولة إسلامية تحكم بالإسلام.

وحقيقة الأمر أن علمنة العرب وتغريبهم ترجع إلى ما قبل سقوط الخلافة العثمانية بأكثر من قرن من الزمان، مع بداية عهد السلطان محمود الثاني الذي امتاز بالتوجه للغرب العلماني، وعاصره محمد علي والي مصر الذي تشابه معه في نفس التوجه، ولكن الأخير كان يتطلع إلى الاستقلال بمصر وبناء إمبراطوريته الخاصة؛ مما أشعل الحروب بينهما. وبعد وفاة محمود الثاني خلفه ابنه عبد المجيد الأول 1839م الذي فاق والده في التقرب للغرب وميوله العلمانية، وقد ظهرت في عهده «التنظيمات» التي استطاعت أن تقضي في النهاية على فكرة الخلافة.

بعد سقوط الخلافة وقيام الجمهورية، ظهر جيل من المفكرين العرب تأثر بشكل كبير بالتنظيمات العلمانية التركية، ولعل كتاب علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» الذي صدر عام 1925م يعتبر بمثابة النسخة العربية من «وثيقة أنقرة» التي أسست مبدأ فصل الدين عن الدولة، «ولكن على عكس الاحتضان الواسع الذي لقيته (وثيقة أنقرة) في أوساط النخبة التركية، فإن كتاب علي عبد الرازق استقبل بهجوم كاسح من قبل النخب الإسلامية الصاعدة، ما دفع عبد الرازق نفسه أن يعلن تخليه عن ذلك الكتاب. ويمكن القول إن الوثيقتين المذكورتين مع نجاح الأولى وفشل الثانية، قد ساهمتا في تأسيس الافتراق الكبير الذي سيحصل بين التجربتين العربية والتركية بشكل عام، وتجربة الإسلاميين الأتراك والإسلاميين العرب بشكل خاص».(4)

وفي حقبة الستينيات تأثرت مصر وتونس على سبيل المثال بالتجربة الأتاتوركية، فأقام بورقيبة دولته على مبدأ «استيلاء الدولة على المؤسسات الدينية، وإفراغها من محتواها، وتغليب مبدأ العلمانية، وفصل الدين عن مؤسسات المجتمع، وذلك في مواجهة أثر التعليم الزيتوني على المجتمع المحافظ».(5) بينما لم يتمكن عبد الناصر في مصر من مواجهة الأزهر بنفس الدرجة؛ نظرًا لمكانته الخاصة في نفوس المسلمين أجمعين. ظلت الأوضاع في المنطقة العربية تأخذ شكل صراع -مكتوم أحيانًا وصريح أحيانًا- بين أنظمة تحاول فرض العلمانية على الشعوب، وشعوب تتمسك بهويتها الإسلامية وتطالب بتطبيق الشريعة. أما الحركات والتنظيمات الإسلامية فقد نشأت لتتبنى مطالب الشعوب، إذ كانت ترى أن كل ما نحن فيه من مظاهر التبعية والتقسيم والتجزئة إنما هو نتاج انهيار الخلافة العثمانية.

بعد ثورات الربيع العربي تأثرت الأحزاب الإسلامية بالتجربة الأردوغانية، وظهر هذا التأثر في أسماء تلك الأحزاب وشكل الخطاب الذي تتبناه، حيث تراجع خطاب الهوية في ظل التوجه نحو الفصل بين الدعوي والسياسي. وفي الممارسة السياسية بدا حزب النهضة التونسي أكثر المتأثرين بحزب العدالة والتنمية التركي حين أسس لـ«أول تجربة ديمقراطية للإسلام السياسي» في البلاد العربية، أو ما يمكن تسميته بتوافق «علماني- إسلامي» وفي العام الماضي صرح الغنوشي لـ«تي أر تي» العربية بأن هدفه السير بتونس على خطى التجربة التركية الملهمة، وفي المؤتمر العاشر لحزب النهضة أعلن أنه لم يعد هناك مبرر «للإسلام السياسي في تونس»، وضرورة التحول من حزب إسلامي يعتني بالقضايا الدينية والإصلاحية إلى حزب قومي يدعو للإصلاح السياسي والاقتصادي، ويفصل بين الدين والسياسة. أما في مصر فقد سارت الأمور في منحى مختلف تمامًا حين رفض الإسلاميون السير على نهج التجربة العلمانية التركية، مؤكدين أنها لا تتناسب وطبيعة المجتمع المصري.

هذا ولا ترى كثير من الحركات الإسلامية في وطننا العربي أي حرج في التفاخر بأردوغان واتخاذه مثالًا يحتذى، فهم يحاولون تجاهل حقيقة كون أردوغان علمانيًّا -كما يصرح دائمًا- معتبرين أنه إنما اضطر إلى ذلك اضطرارًا، فقد ورث إرثًا كبيرًا من العلمانية الأتاتوركية الشاملة التي يصعب التخلص منها -حسب قولهم- لاعتبارات داخلية وخارجية، وهو من وجهة نظرهم إنما يمارس السياسة بذكاء، ويستخدم العلمانية لخدمة المشروع الإسلامي! وذلك في واقع الأمر يوقع الكثير منهم في حرج بالغ أمام غالبية الشعوب العربية المسلمة التي تقتنع تمامًا أن الإسلام والعلمانية نقيضان، لا يمكن الجمع بينهما. كما أن السياسة الخارجية التي اعتمدتها تركيا من حيث التقرب من الغرب ثقافيًّا، والتطبيع مع الكيان الصهيوني لا تعبر أبدًا عن منهج إسلامي صحيح.

خاتمة

في دراسة بعنوان «الإصلاح والتجديد في تركيا» لماجدة مخلوف أكدت أن «المشكلة التي يعيشها المسلمون من القرن التاسع عشر الميلادي، تكمن في محاولة الوصول إلى صيغة تحقق لهم المواءمة بين موروثهم الثقافي والحضاري، وبين الغرب بثقافته وحضارته. وتشير صاحبة الدراسة أنه في ضوء هذه الإشكالية، فإن تتبع محاولات الإصلاح ثم التجديد التي تمت في الدولة العثمانية بدءًا من القرن الثامن عشر حتى قيام الجمهورية التركية تشير إلى أن محاولات الإصلاح، ثم التحديث، ثم تغيير الأساس أو التجديد في الدولة العثمانية، ثم الانسلاخ الكامل من جلدها، كلها نبعت من النخبة على إثر تجاذب بين طرفين هما الإسلام والعلمانية». (5) مما أدى إلى هزيمة الدولة العثمانية وسقوطها.

هذا الصراع ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا، واشتدت وتيرته بعد ثورات الربيع العربي، وستظل تركيا محور هذا الصراع بقصد أو دون قصد، فإن كانت تمد جسرًا من جسور الإسلام في أوروبا فإنها من ناحية أخرى تبني جدار العلمانية في منطقتنا العربية؛ مما سيؤدي إلى المزيد من التشرذم، والتفتيت في المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

التيار الإسلامي و العلمنة السياسية: التجربة التركية و تجارب الحركات الإسلامية العربية
مقاتل من الصحراء - الدولة العثمانية: نشأتها وتطورها وانحطاطها
(2): أوربة الإسلام أم أسلمة أوروبا - عاطف معتمد
(3):
(4):
(5): الإصلاح المعرفي و التغريب في العالم المعاصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد