إلى من نام مبكرًا في ليلة الخامس عشر من يوليو عام 2016، إليك ما حدث:

في حوالي الحادية عشر مساءً، حدث انقلاب عسكري في تركيا، وفي تمام الثانية بعد منتصف الليل كان قد فشل هذا الانقلاب.

دعونا نعد بالزمن قليلًا إلى الوراء حيث عام 1960، عندما قامت مجموعة من القوات المسلحة التركية بالانقلاب على الحكومة التي كانت وقتها برئاسة «عدنان مندريس» والذي انتهى بإعدامه مع عدد من وزرائه بتهمة تغيير النظام العلماني، ومن ثم وبدأت الانقلابات العسكرية تتوالى على تركيا.

ففي عام 1971 كان هناك انقلاب آخر بالحجة السابقة نفسها إلا أنهم استندوا في حجتهم هذه المرة إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي كانت تسود البلاد خلال فترة الستينيات، ثم بعد ذلك بتسع أعوام كان الانقلاب الأكثر دموية بقيادة «كنعان إيفرين» الذي خلف على لإثره اعتقال أكتر من 500 آلف شخص وإعدام المئات وقتل الآلاف من التعذيب في المعتقلات غير أعداد المختفين قسرًا، ثم استمرت حالة الاضطرابات والنزاع على السلطة هذه حتى عام 1997عندما أجبرت القوات المسلحة التركية الحكومة المتمثلة في «نجم الدين أربكان» على الاستقالة، تلا ذلك فترة كبيرة من انتهاك حقوق الإنسان والحريات الدينية من إغلاق المؤسسات الدينية وحظر الحجاب، إلى عام 2002 حيث فاز حزب العدالة والتنمية فوزًا ساحقـًا في الانتخابات، هذا الفوز الذي يعتبر نقلة تاريخية لتركيا على كافة الأصعدة

كفانا إسهابًا ولنعود إلى ليلتنا العجيبة هذه، فأنا هنا لست بصدد التحدث عن الإنجازات الاقتصادية التي حققتها تركيا منذ أن تخلصت من الحكم العسكري ولجأت للديمقراطية، فالجميع يعلم ما هو حجم تركيا الآن اقتصاديًا ودوليًا وعسكريًا؛ ففي تمام الحادية عشر مساءً، تفاجأ العالم أجمع ببيان من عناصر من الجيش التركي يعلن فيه سيطرته على الحكم وفرض الأحكام العرفية وتعليق العمل بالدستور وإنزال الدبابات للشوارع ومحاصرة مطار أتاتورك ومقر القناة الرسمية للبلاد، كل ردود فعل العالم أجمعت تقريبًا على الدهشة والترقب إلا من ذاق ويلات ما حدث في مصر في عام 2013، فقد شعر بأكثر من هذا بكثير وهو يرى عجلة الزمان وهي ترجع للخلف مجددًا.

صرنا نفكر في اللاجئين السوريين، الذين يتجاوز عددهم هناك الثلاثة ملايين، ونفكر في المصريين الهاربين من سوط التعذيب وشبح الاختفاء القسري وعدالة المحاكم العسكرية، وقلقنا على العراقيين الهاربين من داعش والفتن الطائفية، وفكرنا في غزة المحاصرة التي لم تتركها تركيا وحدها في محنتها، صرنا نفكر بأحلامنا في أن نتنزه على «مضيق البوسفور» أو نصلي في «آيا صوفيا» يومًا ما، صرنا نأمل ألا نري مجزرة رابعة جديدة تحدث في «ساحة تقسيم».

ولكن ما إن مرت ساعة واحدة فقط حتى رأينا مظاهرات عارمة تجتاح شوارع تركيا بكافة مدنها بعد عدة دقائق من دعوة الرئيس التركي للشعب بأن يحتشد للحفاظ على الديمقراطية، لا يرفعون صورًا لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، فقط أعلام بلادهم وواقفين أمام الدبابات العسكرية بأجسادهم يحاولون إنزال الجنود منها، هذا بعد أن أعلن وزيرالدفاع والبرلمان والحكومة كلها وحتى أحزاب المعارضة رفضها للانقلاب العسكري ودعمها الكامل للسلطة الشرعية للبلاد.

لم نر متظاهرين يطلقون الألعاب النارية احتفالًا بقدوم الدبابات، لم نر من يحاول تسلقها ليقبل العسكري من فمه، ويلتقط معه صورة يتباهى بها وسط أصدقائه، لم نر امرأة تربط وشاحها بإحكام حول وسطها استعدادًا لوصلة من الرقص الشرقي للترفيه عن الجنود والضباط، ولم نر سيدة مسنة تضع البيادة فوق رأسها وتحاول أن تثبتها جيدًا حتى تنتهي من رقصتها على موسيقى الأغاني الوطنية، لم نر مذيعًا يبكي فرحًا على سقوط الديمقراطية، ولم نسمع أحدًا استغاث بإنقاذ الجنود المساكين من المتظاهرين الخونة العملاء .

لم نر زعيم حزب معارض حاصل على نوبل للسلام يقف بجانب قائد الانقلاب العسكري وهو يلقي بيان انقلابه، لم نر مفتي تركيا وهو يبارك للجنود المؤيدين من الله انتصارهم على الديمقراطية، لم نر أشهر الشعراء والمفكرين الذين أنهكونا بقصص نضالهم في المعتقلات دفاعًا عن أفكارهم وهم يألفون القصائد ويلحنون الأغاني ابتهاجًا بقدوم من سيعتقل الآلاف، لم نر مذيعًا ساخرًا يرقص فرحًا «بالجيش الذي طرقع بيان وقرر يفشخ أردوغان».

لم نر إلا شعبًا حرًا واعيًا، يعرف جيدًا أن الديمقراطية هي احترام رأي الأغلبية حتى لو كان ضد رأيك، وليس تغيير النظام بقوة السلاح لمجرد أنك لم تنخبه، شعبًا يتعظ من الشعوب التي أيدت الانقلابات وسعت إليها، شعبًا قرأ تاريخه جيدًا ويرفض تكرار مأساة الماضي التي دفع ثمنها أجدادهم دمًا في المعتقلات والمظاهرات، شعبًا يعلم أن ما جاء بالصندوق الانتخابي يذهب بصندوق مثله وليس بالدبابة.

هنيئًا للشعب التركي على مباراة البارحة، صحيح أنها كانت مجرد دفاع عن اللقب وانتهت بالتعادل السلبي، إلا أنه تعادل بنكهة الفوز بكل البطولات، وحظـًا أوفر للإعلام المصري وزبائنه في المرة القادمة، عسى أن تلتقي بانقلاب آخر قريبًا ينسيك إحراج هذه الخسارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد