هل استفدنا فعلًا من تجربة انقلاب «التيك أواي» التركي؟! هل كانت فرصة لنراجع مواقفنا؟! أم أن كلًا منا اجتزأ منها ما يوافق هواه ويدعم فكرته فقط؟! ساعات قليلة مرت أثناء محاولة الانقلاب وبعده، لكنها كانت حافلة بالأحداث والآراء والتعليقات، ما بين قلق متوتر يرتقب كل جديد ويده تهدئ نبضات قلبه، وشامت يستبق خياله الأحداث ليرى أردوغان بين القضبان ليلحق برفيقه.

أولئك الذين يحمّلون الدكتور محمد مرسي شخصيًا مسئولية الانقلاب يقارنونه الآن بأردوغان ويتهكمون على «احنا عندنا رجالة زي الدهب»!

وهؤلاء الذين يبرئون أنفسهم من تحمل المسئولية ويلقون بالكرة في ملعب الشعب الذي حمل البيادة فوق رأسه، يقيمون مقارنة الآن بين الشعبين التركي والمصري ويعزون الفضل في تركيا للشعب وحده!

وهؤلاء الذين يسفهون «سلميتنا أقوى من الرصاص» يستدلون ببعض الصور والفيديوهات للمتظاهرين الأتراك على أنهم كانوا متحررين من هذا القيد السلمي الذي كبلهم به قادة العمل الإسلامي، مستنتجين بذلك أن السلمية كانت طعنة في قلب الثورة!

بينما يستدل آخرون بموقف الجيش والشرطة والمخابرات والقوات الخاصة ووقوف معظمهم ضد الانقلاب ويؤكد بذلك أن القوة العسكرية لمناهضي الانقلاب كانت حجر الزاوية في كسره في مهده!

والعجيب أن كثيرًا من مؤيدي هذه الفكرة أو تلك يسجنون أنفسهم في دائرة تصورهم الخاص ولا يبدون استعدادًا لقبول الرأي الآخر! وما يمنعهم من شمولية التفكير وانفتاح أفق الاستماع للرأي الآخر إلا تشبثهم بقناعاتهم وتوجهاتهم الأصيلة في عقولهم.

وهنا يبرز السؤال: هل تبشر هذه البيئة بخير؟ هل يرجى من هذا المناخ في الحوار والنقاش فائدة تشرح الصدر؟ بل هل يؤتمن أمثال هؤلاء على تحمل مسئولية إسقاط الانقلاب وهل يستحقون الثقة التي نمنحهم إياها ليقودونا في معركتنا ضد الاستبداد؟

ليس التخوف من تعدد وجهات النظر بحال، ولا يجوز لنا استنكار اختلاف الرؤى والتفسيرات والتحليلات أبدًا، لكن الذي يثير الحزن والقلق معًا هو طريقة التفكير لدى الكثيرين الذين يؤمل منهم تغيير، وترجى من جهودهم نتائج مرضية في معركة إسقاط الانقلاب. المؤسف أن أحدًا – فيما أعلم – لم يبد تأثرًا بما حدث! بمعنى أن أحدًا لم يغير اتجاهًا أو موقفًا، وأن أحدًا لم يراجع أفكاره، وأن أحدًا لم يظهر مرونة أو ليونة في تقبل ما خالفه من آراء، بل قد أعلن الجميع بشكل غير مباشر عن ثبات موقفه وجمود فكره عبر تحليل المشهد بما يوافق هواه، وهواه فقط ليس إلا.

لماذا يصر كل واحد منا على تشخيص الداء والدواء برؤية ضيقة لا تتسع لغيره؟ لماذا لا نتعظ من هذه التجربة بشكل أعم وأشمل؟ لماذا لا يقر الجميع أن عوامل فشل الانقلاب كانت متمثلة في شعب واع عانى من الانقلابات وذاق مرارتها وعاش تجربة ديمقراطية معقولة فتمسك بها ورفض التنازل عنها؟!

وفي نفس الوقت كانت المعارضة الواعية كذلك عاملًا مهمًا في إفشال الانقلاب، فلم يستقووا بالعسكر على الحزب الحاكم ولم ينجروا وراء رغباتهم ولم ينسوا مصلحة بلدهم ووطنهم والذي لا يصلحه العسكر بحال؟!

وكيف يغفل غافل عن دور الشرطة التي وقفت إلى جانب الشرعية الدستورية والقانونية ورفضت الانقضاض على اختيار الشعب الحر، بل وقبضت بأيديها على قيادات الجيش الذين خانوا ثقة الشعب فيهم؟!

ولماذا نغمض العين عن دور المخابرات التي حثت الشعب على الحفاظ على خياره والدفاع عنه، وقوات الجيش التي أعلنت عن براءتها من تلك المؤامرة، والقوات الخاصة التي قامت بدورها المنوط بها ولم تنزلق في وحل الخيانة؟!

وكيف لا نلقي بالًا للتشابه الكبير بين القضاء هنا وهناك، متمثلًا في عدد العاملين بسلك القضاء الذين تم إيقافهم بعد ساعات من إسقاط الانقلاب، وذلك لضلوعهم في التخطيط منذ البداية، فما أشبه الوضع في البلدين!

ولا يغيب عن بالنا حكمة القيادة في إدارتها للموقف بسرعة وكفاءة مشهود لهما، فمن الوهلة الأولى نادى أردوغان شعبه واحتمى به واستنجد بنخوته وخاطب فيه الوطنية والقومية وحب الحرية، وأعلن أنه أول من ينزل معهم الميادين ليدافع عن مستقبل الوطن!

كانت إذن حزمة من العوامل مجتمعة لا فرادى، وإذا آمنا بذلك كله فسوف نخرج من مأزق تقزيم الأدوار، فإذا ما أسقطنا تلك المعاني على التجربة المصرية فسوف تكتمل الصورة! فالجميع مطالب بتحمل المسئولية، فلا قيادة تلقي بالتبعة فقط على متآمرين خانوهم وعبيد خذلوهم، ولا ثوار يختزلون القضية فقط في قيادة ضعيفة لا رؤية لها ولا حكمة في اتخاذ القرار. بل هناك تكامل بين هذا وذاك. وعلى كل مسئول أن يراجع نفسه. لكن المسئولية طبعًا على قدر الحجم! فليس من العدل محاسبة الفرد الضعيف نفس محاسبة القيادة المنظمة التي يجب أن تكون على قدر المسئولية التي علقت في رقبتها!

نسأل الله تعالى أن يجمع الأمر ويلم الشمل ويوحد العزم ويقوي الصف، أفرادًا وجماعات وأحزابًا ونخبة، وأن يلهم الجميع توافق الآراء وتلاقحها حتى يكون الجميع على قلب رجل واحد فيتحقق المراد عاجلًا غير آجل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد