في التاسعة والنصف مساءً من ليل الجمعة أغلقت قوات من الجيش التركي كوبري البوسفور واعتقلت رئيس الأركان وسيطرت على مبنى التليفزيون، وفي الحادية عشرة والربع أصدروا البيان الأول بالسيطرة على البلاد وإعلان الأحكام العرفية وصرحوا بأن الحكومة الحالية أضرت بالقانون والحكم الديمقراطي العلماني في تركيا.

في الحادية عشرة وخمس وعشرين دقيقة ظهر رجب طيب أردوغان من خلال أسرع وسيلة تواصل متاحة من خلال سكايب على شبكة CNN التركية يدعو فيها الشعب بالتمسك بالديمقراطية والنزول للشارع للوقوف في وجه الانقلاب في رسالة صوتية مصورة بلغت خمس عشرة ثانية تقريبًا كانت كفيلة بترجيح كفته في الساعات التالية ضد الانقلابيين.

انقلاب تركيا
تركيا التي عانت الأمرين في تاريخها من أربعة انقلابات رأت فيها تركيا الانقلاب بدمويته عامي 1960 و1980 وفساده عام 1997 بتدخل الجيش بحكم الدستور الذي يمنحه حق الدفاع عن شكل الدولة التركية العلمانية الأتاتوركية, بدت هذه المرة أكثر تحفظًا ونضجًا حكومةً ومعارضةً تجاه الانقلاب. فلا الحكومة استسلمت لقرارات الفصائل الانقلابية ولا المعارضة أيدت حركة الجيش ضد المشروع الديمقراطي التركي.

المواقف التي بدرت من مختلف الجهات تجاه محاولة الانقلاب بالأمس يجب تفسيرها في شكل سياسي بحت خارج تحليلات الإعلام المؤدلجة من المتحدثين كلٌّ على حسب خلفيته السياسية والثقافية. في مثل هذه الأوقات هي الحاجة للسياسة فقط أن تتحدث ولا غيرها من الاعتبارات. نعم قد يساعد نضج الشعوب ووعيها ولكن هناك شعوبًا واعية نجحت بها انقلابات وما هو أسوأ من الانقلابات اعتنقت أفكارًا انقلابية على البشر من فاشية ونازية وغيرها. في السياسة عندما تأتي هذه الأوقات من الأزمات يجب ألا تعتمد على الوعي العام فقط فهو متغير يجب أن نحلل بطريقة سياسية موازين القوى ومن يملك الأوراق ومن سيقف حتى بشكل غير منطقي ليحرز مكسبًا أو يتجنب خسارة سياسية.

موقف المعارضة التركية المتمثل في حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية برفض تأييد الانقلاب بعيدًا عن محاولتهم بوصفهم أحزابًا سياسية الحفاظ على الحياة السياسية في تركيا. رغم القمع المتزايد لأردوغان للمعارضة التركية وتحجيم ظهورها ووجودها الإعلامي. إلا أنه يمكن الأخذ في الاعتبار أن الموقف الرافض بتحليل سياسي بحت ربما هو احتلالهم للمكان الأفضل في وسط كل هذه التقلبات. فرفضهم الانقلاب يضعهم في مكسب في حالة فشل الانقلاب بحفاظهم على شعبيتهم واكتساب احترام المعارضين ومحاصرة أردوغان بشعور المن والجميل وبالتالي موقف أفضل في المستقبل في السياسة مع أردوغان. لأنه في حالة فشل الانقلاب بعد تأييدهم سيضعهم على مقصلة الإعدام السياسي وتحت رحمة أردوغان المطلقة. أما الحالة الثانية في حالة نجاح الانقلاب فلن يجد قادة الانقلاب غير المعارضة رغم كل شيء للتعاون معهم في أرض السياسة ويمكن تدارك الموقف بتصريحات مستقبلية تمجد حركة الجيش الانقلابية والتعذر بضبابية الموقف. وبذلك تكسب في كلتا الحالتين.

موقف الأكراد المحافظين والأحزاب المناهض للانقلاب لا أرى فيه شيئًا غريبًا كما يحلل البعض ولكنه مسار طبيعي إذ إن الأكراد كانت المؤسسة العسكرية هي العدو الأول دائمًا. وبرغم معارضتهم لرجب طيب أردوغان إلا أنهم ذاقوا الأمرين من ويلات المؤسسة العسكرية وربما من أسباب تمرد الجيش هو تعامل أردوغان غير العسكري مع ملف الأكراد في فترة ما سابقة. وكان الجيش دومًا يضغط بعمليات عسكرية واسعة ضد الأكراد كمحاولة ردع حركاتهم الانفصالية. وحتى في الوقت الذي وافق فيه أردوغان بالسماح بضربات عسكرية وافق على ثماني ضربات من أصل مئتي وأربعين ضربة مقترحة من القيادات العسكرية. وذلك يبقي أردوغان أفضل بكثير عن المؤسسة العسكرية التركية بالنسبة للأكراد من الناحية السياسية.

الموقف العالمي هو موقف ملتبس وغير مفهوم وتحليله السياسي الوحيد المقبول هو تسارع الأحداث بشكل متقلب للوضع التركي. ولكن يبقى التساؤل قائمًا عن تأخر الدول الأوروبية بعد كلٍ في أخذ نهج واضح رغم أن كل الشواهد السياسية  تعطي مؤشرات بلزوم وقوف أوروبا إلى جانب أردوغان. فهو الحليف الأكبر في قوات النيتو وحليف أمريكا الأساسي حاليًا في أفغانستان. كما أن تركيا تحمل عبء العالم بوجود 3 ملايين لاجئ سوري تتحمل أعباءهم بالنيابة عن أوروبا. كما أن تركيا هي محطة الوصل للطاقة والوقود من الشرق إلى الغرب الأوروبي. وبالتالي استقرار تركيا من المفترض أن يكون موقفًا واحدًا لا يقبل المناقشة.

موقف فصائل الجيش التركي مختلف أيضًا هذه المرة. فلأول مرة يحدث انقسام واضح داخل الجيش في محاولة انقلابية. حيث التزمت قيادة الجيش في شخص رئيس الأركان برفض الانقلاب وكذلك لم تتحرك وحدات الجيش الأخرى مع من تحرك ومنها الجيش الأول والثاني والثالث الميداني والقوات البحرية وقوات الشرطة والقوات الخاصة، واقتصر التحرك على قوات من المشاة وقوات جوية وبعض الوحدات الضئيلة من قواعد عسكرية داخل تركيا.

وربما ذلك يرجح لشيء من نجاحات رجب طيب أردوغان في تقليم أظفار المؤسسة العسكرية وحركات التعيين والإقصاء على مدار فترة حكمه والتي كانت الأكبر خلال عام 2011 بعد استقالة المجلس العسكري التركي ويعتبرها البعض اللحظة الفارقة لاستسلام العسكر للمدنيين.
وجاء في تقرير لغونول تول مديرة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط «أن أردوغان هو الآخر لم يتخلّ عن تحصين نفسه من الجيش. فقرار الحكومة الأخير بفصل القيادة العامّة لقوات «الجندرمة»، وهي قوّات الشرطة الريفيّة شبه العسكريّة في تركيا، عن هيئة الأركان العامّة وضمّها إلى وزاة الداخليّة، تُعدّ محاولة لملء صفوف الدرك بأنصار حزب العدالة والتنمية وخلق توازنٍ في مواجهة قوّة الجيش».

على أردوغان أن يعدل من سياساته الداخلية من التضييق على الإعلام والهجوم على الشكل العام لمواقع التواصل الاجتماعي وحبس الصحفيين، حيث تتصدر تركيا قائمة أكثر الدول حبسًا للصحفيين وقمع المعارضة المدنية من اليساريين والعلمانيين. وربما من الأشياء الساخرة فيما حدث هو أن ظهور الرئيس رجب طيب أردوغان كان عبر سكايب؛ أحد مواقع التواصل الاجتماعي على شاشة قناة شبه معارضة هي CNN التركية، وقد حاول سابقًا إغلاقها عدة مرات.

بالتأكيد سيستغل رجب طيب أردوغان ما حدث لتصفية خصومه في المؤسسة العسكرية سواء ممن شاركوا في الانقلاب أو أيدوه، وربما ممن ليس لهم علاقة أيضًا بما حدث كاستغلال سياسي لموقف قوة لن يُسأل عما يفعله، فلديه كل المبررات لإقصاء من يريد مهما كانت رتبته ولن يحظى بمعارضة شعبية أو عالمية.

ربما نشهد تصفيات جسدية لضباط وجنرالات جيش تحت مبررات ربما وهمية أنهم قاوموا أوامر اعتقال للتخلص منهم إذ تم إلغاء عقوبة الإعدام مؤخرًا في تركيا. ونشهد مزيدًا من سيطرة الحكومة المدنية على المؤسسة العسكرية في مرحلة جديدة من إخراج الجيش التركي من الحياة السياسية، لتتجنب تركيا ما أقرته تجارب الانقلابات العسكرية قاعدةً أنه «ليس هناك أسوأ من انقلاب فاشل… غير انقلاب ناجح».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد