عادت بي الأحداث إلى لحظات لا تفارق ذاكرتي، بما تحمله من مشاعر الدفء التي من كثرتها لا تحدوها جدران صالة منزل مصري، تتجمع فيه الأسرة بعد صلاة العشاء وتناول الطعام، وبالتأكيد بعد انتهاء نشرة التاسعة تتجه الأنظار نحو الحلقة الأخيرة من المسلسل المصري وقت أن كانت الدراما المصرية رائدة تناقش مشكلات حقيقية، ولا تعتمد على إسفاف أو ابتذال.
الكل يجلس مترقبًا هل سيلتقي البدري بوردة أو سيُهزم من جديد العمدة سليمان أو سيتم الحجر على الغرباوي بيد ابنه الوحيد.
هكذا حياتنا في إسطنبول اليوم مع اقتراب توجه جموع الأتراك إلى صناديق الاقتراع غدًا للمشاركة في عملية التصويت على التعديلات الدستورية.
نجلس بمشاعر الحيرة والترقب، بعيدًا عن تلك المشاعر التي وللأسف لا يمكن لنا أن نصطحبها معنا خارج أوطاننا، تلك المشاعر التي تصدرت هذه الكلمات وفق مكانتها في قلبي، نتابع الأحداث من مكان المُشاهد، وعلى العكس منا داخل شاشات التلفاز يقوم كل مواطن تركي بدوره في صناعة الحدث كما تعودنا منهم في مثل هذه الحلقات الأخيرة، ينطلق الجميع من مساحة الشعوب المشتركة، وهي حب الوطن، والسعي لاختيار الأفضل وفق وجهة نظره، ولا صوت يعلو فوق صوت تركيا ومصلحة شعبها.
تابعت عن قرب الكثير من الفعاليات الداعية لنعم ولا للتعديلات الدستورية، ولكل فريق يعمل بشكل محترم يليق بالشعب التركي، السيارات تسير بأغاني كل فريق، ولافتات في كل مكان وفي كثير من المناطق تكون إعلانات ملاصقة بعضها البعض، ففي نفس لحظة رؤية لافتة تدعو لنعم ترى بجوارها التي تدعو لـ (لا)، فرق العمل متواجدة في الشوارع تقوم بتوزيع المطبوعات وتشرح للمواطنين أسباب دعوتهم لـ (نعم أو لا)، ولا يبعدون عن بعضهم سوى خطوات قليلة جدًّا.
الكل يعمل على توصيل فكرته للمواطن، ولا ينشغل بالمشاحنات والشجار وتوجيه اتهامات للفريق الآخر واتهامه مثلًا بالجهل أو الخيانة أو التقليل من قيمة المختلفين.
منذ بدء عمليات الدعاية لم أر أو أسمع نشوب مشاجرة بين فرق العمل المختلفة التي أراها يوميًّا في نفس المكان، والتي لا تبعد سوى أمتار عديدة، فقط احتدم الحوار بين شخص من كل فريق وتجمع الفريقان لتفريقهما، وخلال دقيقة أو دقيقتين طلب مسؤول كل فريق من العاملين معه التجمع فورًا، ونفس الخطاب صدر من كل مسؤول لأعضاء فريقه بضرورة التركيز على إتمام الرسالة، وعدم الانشغال بما لا ينفع ويسيئ للشعب التركي، لحظات عصيبة انتهت بإبداع ومسؤولية.
وفق ما عايشته خلال هذه الفترة كانت نسبة انعدام المسؤولية في الحديث والنقاش حول التعديلات الدستورية من نصيب الجالية العربية، وخصوصًا المؤيدين لـ (لا)! وكأننا لا نعي الدروس رغم قسوتها، ولا نجد من واقعنا المرير عبرة لنتدارك أخطاءنا الكارثية بدءًا من الإلمام بموضوع النقاش، انتهاءً بضرورة احترام الآخر مهما كانت درجة الاختلاف، ما دام مبني على منطقية وفهم ووعي.
بالطبع تدور النقاشات بمشاهد تخيلية ماذا لو أنك تركي في هذه الأثناء؛ لأننا وبكل تأكيد لا نفتأت على حقوق الآخرين مهما كانت درجة الأخوة والتقارب.
نلتزم بمقاعدنا ونترقب أحداث الحلقة الأخيرة التي نتمنى ألا تختلف عن سابقاتها في أحداثها كعُرس في حد ذاته، يُسعد كل مُحب لهذه البلد مؤيدًا، ورافضًا لهذه التعديلات.
وأخيرًا أتمنى بصورة شخصية أن تحظى نعم بالتأييد على ضوء ما قرأته من هذه التعديلات، والتي تهدف على سبيل المثال إلى مزيد من استقلال القضاء، وزيادة عدد أعضاء مجلس النواب التركي، وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي، وبالتالي مواجهة الحصار الأوروبي الغادر لتركيا، وأتمنى أن أكون ممن حالفهم الصواب مثلما كُنا في تعديلات مارس ٢٠١١ مصر الثورة رغم ترجيح الناخبين لـ (نعم) التي مثلت الرأي القاتل للثورة والمصريين.
هذه الكلمات لا تعدو كونها شهادة شخصية لما عايشته من أحداث، ولا أهدف إلى صناعة خيال أو تصوير المجتمع على غير حقيقته في وجهة نظر القارئ، فالكل يعي ويعرف أن الكمال غير موجود، وكما نقول دائمًا في مصر: «مصارين البطن بتتعارك».
ولعل جمال الصورة يُغني عن تلك السطور القصيرة مهما طالت.
#استفتاء_تركيا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد